وكان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة (106) حرسها الله، وما بسطة محل خصيب، وبلدة لها من اسمها نصيب، بحر الطعام، وينبوع العيون المتعدّدة بتعدّد أيام العام. ومعدن ما زيّن للناس حبّه من الحرث والأنعام. يالها من عقيلة، صفحتها صقيلة، وخريدة، محاسنها فريدة، وعشيقة (نزعاتها) (107) رشيقة، لبست حلي (108) الديباج الموشى، مفضّضة بلجين الضحى، مذهّبة بنضار العشا (109) ، وسفرت عن المنظر البهي، وتبسّمت عن الشنب الشهي وتباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشمّاء بغصونها، فوقع النفير وتسابق إلى لقائنا الجم الغفير، مثل الفرسان صفّا، وانتشر الرّجل جناحا ملتفّا (110) ، واختلط الولدان بالولائد، والتمائم بالقلائد في حفل سلب النهى (111) وجمع البدر والسهى، والضراغم والمها، وألّف بين القاني والفاقع، وسدّ بالمحاجر كوى البراقع، فلا أقسم بهذا البلد وحسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلّق:
بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الرياح شمول ...
تسلسل منها ماؤها وهو مطلق ... وصحّ نسيم الروض وهو عليل
رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب، وأخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب، وكفاها بمسجد الجنّة دليلا على البركة، وبباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر. إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع، وكدّرت القرى بالقراع، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيّم من التبريح، وكلّما شكت إليها المضارب شكوى الجريح، تركتها بين المائل والطريح.
(106) بسطة وهي مدينة Basti القديمة وتعرف اليوم باسم Baza وتقع في شمال شرق غرناطه بنحو 123 ك. م ويروي صاحب الروض المعطار ص 45 أن هذه المدينة كانت مشهوره بمنتجاتها الزراعية ولا سيما الزيتون، وبمنسوجاتها الحريرية وينسب إليها الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير
(107) كذا في (ب) وفي (ا) نزعتها
(108) في (ب) حلة
(109) العسي في (ا)
(110) في (ا) متلفا
(111) في (ا) النها.