فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 573

فى الشارع أن يشق طريقه عنوة عبر هذه الجموع، لم يتبق في مكة سوى بعض الشحاذين الذين كانوا يرفعون أصواتهم في اتجاه المنازل التى كانوا يظنون أنها ما زالت عامرة بالسكان. كانت الزبالة والنفايات تغطى الشوارع، ولم يكن أحد يود رفع هذه النفايات. كانت أطراف المدينة عامرة بجثث الإبل النافقة، وكانت الرائحة المنبعثة منها، تجعل الهواء نفاذا وخانقا حتى في وسط المدينة، الأمر الذى أسهم بالقطع في انتشار الأمراض السائدة في هذه المدينة. كانت جثث متعددة ملقاة بالقرب من مستودعات الحج، وكان العرب الذين يسكنون في هذه المنطقة من مكة لا يجرؤن على الخروج منها دون أن يدسوا في أنوفهم قطعا صغيرة من القطن، وكانوا يحملون هذه القطع مربوطة إلى خيوط تتدلى من أعناقهم (*) . لم يكن ذلك نهاية المطاف؛ نظرا لأن المكيين يبدءون في ذلك الوقت نزح مجارير وطرنشات منازلهم، ويتكاسلون على نحو يجعلهم لا يحملون تلك الفضلات الآدمية إلى ما وراء أطراف المدينة، وإنما يكتفون بحفر حفرة في الشارع ليضعوا فيها تلك الفضلات الآدمية، وغالبا ما تكون هذه الحفر أمام أبواب المنازل، ثم يغطون تلك الحفر بطبقة من التراب والطين، ومن السهولة بمكان تخيل النتائج التى يمكن أن تترتب على ذلك.

تبدأ في ذلك الوقت احتفالات الختان؛ إذ يجرى الاحتفال بهذه المناسبة بعد الحج مباشرة، أى عند ما يخلو المكيون لأنفسهم، وقبل أن ينفق الناس المبالغ التى جمعوها من موسم الحج، لكنى شاهدت طقوس أكثر من موكب للمختتنين. هذه أعداد من الحجاج، الذين أصابهم الإعياء بسبب الطريق، أو جراء الإصابة بالبرد نتيجة ارتداء ملابس الإحرام، كل هؤلاء كانوا عاجزين عن مواصلة رحلة العودة إلى بلادهم،

(*) العرب بشكل عام، بل وحتى البدو أكثر حساسية من الأوروبيين لأقل قدر ممكن من الرائحة النفاذة، ولعل هذا هو السبب الرئيسى وراء عدم دخول البدو أية بلدة من البلدان، بدون كمامة أو لثام، يضعونه على أنوفهم. والعرب والبدو لديهم اعتقاد مفاده أن الروائح الكريهة تؤثر على الصحة وذلك عن طريق الدخول من فتحتى الأنف إلى الرئتين، ولعل هذا، دونا عن الإحساس الناتج عن تشمم الرائحة الكريهة، هو السبب الرئيسى وراء تغطية البدو لأنوفهم بأطراف عمائمهم، أثناء مرورهم في الشوارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت