فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 295

والحاج بسببها لا يحتاجون إلى تزود الماء غير ليلة إسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي، رحنا منه محرمين بعمرة، فأسرينا ليلتنا تلك، فكان وصولنا مع الفجر قريب الحرم. فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.

ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أغشت، على باب العمرة. وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد ألقى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل إلى الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية، فيا لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر، إلى أن وصلنا، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور، حرم الله العظيم ومبوّأ الخليل إبراهيم. فألفينا الكعبة الحرام عروسا مجلوة مزفوفة إلى جنة الرضوان، محفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم، ثم صلينا بالمقام الكريم، وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو «لما شرب له» كما قال، صلى الله عليه وسلم. ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا وأحللنا. فالحمد لله الذي كرمنا بالوفادة عليه، وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة إلى الحلال قريبا من الحرم، ومن باب السدة أحد أبوابه، في حجرة كثيرة المرافق المسكنية، مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.

شهر جمادى الأولى

عرفنا الله بركته

استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت، وقد كمل لنا بمكة، شرفها الله تعالى، ثمانية عشر يوما، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا. طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت