فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 637

فتحوا بلادهم، ودخلوها ظافرين منتصرين، وسيطروا عليهم بحكمهم، وأخضعوهم لسيادة الإسلام وسلطانه؟!

تلك المعاملة التى كانت تفيض عدلا وإنصافا، وتسامحا ووفاء، قد أكرم المسلمون مجاوريهم من أهل الذمة، والعهد، واعتبروهم إخوانا في السراء والضراء، ونادوا بالمساواة العامة بين أبناء البشر كافة، ودعوا الناس جميعا إلى نبذ الفوارق والخلاف، وتواصوا بالرفق بالمخالفين، والإحسان إليهم؛ وقالوا لهم: «نحن وإن فرقت بيننا العقيدة، ولم تجمعنا رابطة الدين فقد ربطتنا آصرة النسب، وجمعتنا جامعة الإنسانية» .

لم ينس المسلمون تعاليهم دينهم؛ وآداب شريعتهم، حينما كانوا يكتسحون البلاد التى فتحوها؛ فلم يبطش قوادهم بمن ظفروا بهم، ولم يستبد أمراؤهم بمن خضعوا تحت سلطانهم، ولم يصدر الخليفة الأعظم أوامره بالتنكيل والتعذيب والتخريب؛ وإنما كانوا يمثلون ملائكة الرحمة، ورسل السّلام؛ يمشون في أمورهم بالحزم واللين، والرفق والصفاء، ومن خرج عن ذلك عوقب عقابا شديدا.

فها هو عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني للمسلمين، يكتب إلى أميره في مصر، عمرو بن العاص، كتابا يوصيه فيه بأهل الذمة خيرا، فيقول فيه:

«واعلم، يا عمرو، أن الله يراك ويرى عملك، وأن معك من أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهم وأوصى بالقبط، فقال: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنّ لهم ذمة ورحما» (1) ، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «من ظلم معاهدا أو كلّفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة» (2) .

(1) قوله صلّى الله عليه وسلّم «استوصوا بالقبط» أخرجه الطبرانى في الكبير 19/ 61 رقم 111، 112، 113 والحاكم 2/ 553 من طرق عن الزهرى عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعا.

وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى وذكره الهيثمى في المجمع 10/ 66 وقال رواه الطبرانى باسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح وذكره الهندى في كنز العمال 34019، 34020 وزاد نسبته إلى البغوى وابن سعد وعزاه السخاوى أيضا في المقاصد ص 388 إلى ابن يونس في تاريخ مصر وذكره الهندى برقم 34021 عن الزهرى مرسلا وعزاه لابن سعد وذكره برقم 34023 وعزاه للطبرانى عن أم سلمة».

(2) أخرجه أبو داود 3/ 170، 171 كتاب الخراج والإمارة والفئ باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا في التجارات حديث 3052 وفيه مجاهيل وينظر الترغيب 4423.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت