فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 161

«ذات متكلمة آمرة معطية، وذات مخاطبة مأمورة متلقية» (1) .

ولم تتشاكل في مظهر من مظاهر الوحي وظاهرته، الذات المتكلمة والذات المخاطبة في قالب واحد، ولم يتحدا في صورة واحدة على الإطلاق فهما متغايران.

إن ظاهرة الوحي الإلهي مرئية ومسموعة. ولكنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده فما اتفق ولو مرة واحدة، أن سمع أصحابه صوت الوحي، ولا حدث أن رأوا هذا الكائن الموحي، ومع هذا فقد أدركوا صحة ما نزل عليه وصدق ما أوحي إليه، بدلائل الإعجاز، وقرائن الأحوال واعتبارات الاختصاص، فالنفس الإنسانية وإن كانت واحدة في الأصل والجوهر، ولكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلا من قبل الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى ويسمع ويعي ما حوله من الظاهرة بيقين مرئي مشاهد، ومن حوله لا يرون ولا يسمعون ولكنهم يصدقون ويؤمنون. وربما قيل: إن ما يتلقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الروح الأمين وهو رسول الوحي: «هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة، التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية فكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى ويسمع حينما يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر والسمع .. فكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى الشخص، ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين كما نستخدمها، ولو كانت رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه وبين غيره، فكان سائر الناس يرون ما يراه ويسمعون ما يسمع والنقل القطعي يكذب ذلك، فكثيرا ما كانت تأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه، ومن حوله لا يشعرون بشيء، ولا يشاهدون شخصا يكلمه» (2) .

وقد يفسر هذا بأنه ظاهرة ذاتية، ولكن عمى الألوان (3) مثلا يقدم لنا

(1) ظ: مالك بن بني، الظاهرة القرآنية: 194: صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن: 27.

(2) الطباطبائي، الميزان: 15/ 317 وما بعدها.

(3) عمى الألوان قسمان: كلي وجزئي فالكلي هو العجز عن التمييز بين الألوان مع بقاء الاحساس البصري سليما من الاضطراب، والجزئي هو العجز عن إدراك لون بعينه أو عن تمييز ذلك اللون عن غيره. (ظ: المعجم الفلسفي: 2/ 108) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت