البناء الفني لقصيدة الملحمة
** لقد استخدم الشاعر السيد البيتي عددا من الوسائل الفنية، في ملحمته التي استعرضنا ـ في الحلقة السابقة من هذه الدراسة ـ الأجزاء المكونة لبنائها: وهدفنا ـ هنا ـ هو الإشارة إلى تلك الوسائل، ومدى نجاحه في تطبيقها ضمن إطار عمله الفني.
عند ما نوجه اهتمامنا إلى الطريقة التي اهتدى إليها الشاعر في اختيار كلمات قصيدته، يجب أن نأخذ في اعتبارنا أنه ـ أي الشاعر ـ كان يسعى، من خلال ملكاته الشعرية، أن يبلغ مستوى معينا في تصوير حجم المشاكل المعقدة، التي كان يعاني منها مجتمع المدينة المنورة، في القرن الثاني عشر الهجري، ولهذا فهو ـ في البيت الأول من افتتاحية ملحمته ـ يشير إلى المدينة بكلمة «الدار» حيث يقول:
بكى على الدار لما غاب حاميها ... وجرّ حكامها فيها أعاديها
مشبها البلدة بالدار، التي تستحق البكاء بسبب غياب صاحبها أو حاميها ثم نراه ينعتها ـ في البيت الثاني «بطيبة» ـ وهو اسم من أسمائها، الذي اكتسبته بعد هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربوعها، وحيث بدأت تتشكل ملامح تاريخها الإسلامي المتميز:
بكى لطيبة إذ ضاعت رعيتها ... وراعها بكلاب البر راعيها
وكأنه من خلال هذا الاسم «طيبة» يرسم لنا صورة الأمن والسلام، الذي كانت تعيشه البلدة على مر العصور والأزمان، أصبح ـ فجأة ـ معرضا للخطر والتغيير بسبب نوع غريب من الأعداء، وهو يلمح ـ فقط ـ إليهم دون تصريح بكلمة «راعيها» وقد أشرنا ـ في الحلقة السابقة ـ إلى أن مصدر السلطة في