وأين تلك من الدار التي شرفت ... على الممالك إعظاما وتنزيها ...
ما أحوج الأرض للفتح الجديد فقد ... عم البلا وطغى طوفان عاصيها ...
من باب مصر إلى بصرى إلى عدن ... إلى العراق يمانيها وشاميها ...
ومن سواكم وعين الناس ترقبكم ... قد وجهوا لكم الآمال توجيها ...
بخدمة المصطفى أسلافكم شرفت ... على الملوك، وهناها مهنيها ...
تميمة علقت في جيد دولتكم ... تذب عنها أعاديها وتحميها ...
عضوا عليها وصونوها، فإن سقطت ... تفزعت، وغدت لا شئ يشفيها ...
وإن تروا حادثا في الدهر أو قلقا ... من العدا فهو من عقبى تناسيها
لم يختم الشاعر قصيدته إلا بعد أن باح لنا بتلك الأحاسيس الرقيقة، التي تحملها نفسه عن البلد الذي أحب، ووضع ـ أمامنا ـ كل تصوراته لما يجب أن يكون عليه مسؤولية الحاكم من حيث التيقظ والقوة حتى لا تفقد الدولة هيبتها، وتصبح مطمعا لأعدائها الذين يتربصون بها، وهو ما حدث بعد أكثر من قرن من الزمن، عند ما تقاسم الإفرنج ميراث الدولة العثمانية، وكان ذلك نتيجة طبيعية للتساهل والتغافل، الذي صاحب امتداد الدولة في مناطق كثيرة ومتباعدة.
ولم يفرغ السيد «البيتي» من ملحمته إلا بعد أن سكب بين سطورها نفسا شعريا جميلا، قوامه موهبة الشاعر القوية. وثقافته التراثية الواسعة. ويأتي ـ في مقدمتها ـ العبارة اللغوية، التي وفّق في تطويعها لتكون وسيلة نطل ـ من خلالها ـ على أحداث التاريخ، دون أن نفقد استمتاعنا بروائها الشعري، وسوف نفرغ لدراسة ذلك في الحلقة القادمة ـ إن شاء الله ـ عند دراسة البناء الفني لقصيدة الملحمة.