** في الحلقة الماضية، التي خصصت لدراسة تحديد المصطلح الشعري «ملحمة» رأينا أن هناك نماذج من الشعر الجاهلي والإسلامي، مما يمكن إدخاله ضمن دائرة الشعر الملحمي من منظور النقد العربي.
ولا بد من الإشارة إلى أن تجارب شعراء المدينة، في القرن الثاني عشر الهجري، في هذا العمل الشعري الخاص، إنما هي محاولة لإحيائه، ونفض الغبار عنه، وتكتسب المحاولة أهميتها أنها أتت في عصر من عصور الركود الفكري والأدبي.
** ولكن السؤال الذي يمكن طرحه: هل كان هؤلاء الشعراء واعين بالفن، الذي توجهت ملكاتهم للإبداع فيه؟
لقد ورد لفظ «ملحمة» في مطولة من مطولات الشاعر السيد جعفر إبراهيم البيتي (1) وجاءت اللفظة مقترنة باسم شاعر من أشهر شعراء العصر المملوكي، وهو شمس الدين بن دانيال (2) (646 ـ 710 ه) والبيت ورد عند الشاعر «البيتى» كما يلي:
حوادث ما رآها دانيال ولا ... قصت «ملاحمه» شيئا يساويها
واشتمال البيت على اسم هذا الشاعر ـ بعينه ـ فيه دلالة علي مصادر الثقافة الشعرية لشعراء تلك الفترة، ومدى تأثيرها في إنتاجهم الشعري، أإن الشاعر كان واعيا بأنه يقوم بوصف حوادث ملحمية، وأن هذا الوصف كان نتيجة طبيعية لتفاعل الشاعر مع تلك الحوادث، التي شهدها مجتمع المدينة، في فترة القرن الثاني عشر الهجري، أو ما أسمته المصادر الشعرية «بالفتن» وهي تسمية لها دلالتها التاريخية إذا ما ربطنا بينها وبين الفتن، التي شهدها المجتمع المدني في العصر الإسلامي الأول.
وأشهر هذه الفتن ثلاث: وقعت الأولى منها سنة 1134 ه، وتسمى بفتنة «العهد» ، والثانية في سنة 1148 ه، وتسمى بفتنة «بشير أغا» الذي كان