الفقه الشافعي كان يهتم به كثيرا حفظا وتعليقا وشرحا. وبالزّركشيّ (1) ـ على وزن جعفريّ ـ نسبة لصناعة الزّركش ـ وهي كلمة فارسية مركبة من «زر» أي الذهب، و «كش» أي ذو، والمقصود بها نسج الحرير؛ ولقّب بذلك لأنه كان يشتغل بها قبل طلبه العلم.
عصره وبيئته (745 ـ 794 ه) (2)
عاش الإمام الزركشي في القرن الثامن الهجري، وهو قرن حافل بالأحداث السياسية الهامة في تاريخ الإسلام، وبالحياة العلمية الذهبية.
فمن الناحية السياسية: كان العالم الإسلامي لا يزال يرزح تحت حكم التتار والمغول الذين نكبوا المسلمين نكبات مؤلمة، غير أن الله تعالى تجلّى بلطفه، فدخلت القبائل الذهبية من التتار والمغول في الإسلام في بلاد روسيا والتركستان، ولا تزال التركستان على إسلامها إلى اليوم. كما شهد هذا القرن نشاط الخلافة العثمانية التي مدّت سيطرتها على أكثر الأراضي الإسلامية، ووحدت البلاد كلها تحت حكم مركزي قاعدته الأناضول، ومدّت حكم الإسلام إلى بلاد جديدة هي شبه جزيرة البلقان بعد أن هزم المسلمون البلقان بسهولة، كما هزموا الجيش الصليبي الذي سيّره عليهم الأوروبيون الغربيون وعزلوا بقاياهم في القسطنطينية وفي عدد قليل من المعاقل الأخرى.
أما مصر ـ موطن الزركشي ـ فكانت في هذه الفترة تحت حكم المماليك البحرية الذين هزموا التتار على يد السلطان الناصر محمد بن قلاوون (684 ـ 741 ه) في معركة مرج راهط في الشام (702 ه) ثم تولّى بعده ابنه الملك المنصور سيف أبو بكر بعهد من أبيه (741 ه) فكانت فترة حكمه وما بعدها قاتمة تسودها الاضطرابات والفتن الداخلية قام خلالها الصليبيّون بنهب الاسكندرية (767 ه) ثم تولى المماليك الجراكسة (784 ه) حكم مصر على يد السلطان الملك الظاهر أبي سعيد برقوق بن أنس الذي قتل أكثر المماليك البحرية وشتّتهم.
المنهاج والمختصر» يمكن الرجوع إليها في فصل مؤلفاته من هذه الدراسة.
(1) انفرد ابن قاضي شهبة في «تاريخه» 1/ 451 فلقّبه بابن الزركشي، فتكون النسبة على هذا لأبيه.
(2) للتوسع في تفاصيل تاريخ القرن الثامن الهجري يمكن مراجعة: ابن كثير، البداية والنهاية 14/ 14 ـ 334، وابن إياس، بدائع الزهور 1/ 67، وابن تغري بردي، النجوم الزاهرة 7/ 47، والسيوطي حسن المحاضرة 2/ 116.