فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 410

يكون المعبّر عن مقصود بلفظ فصيح فصيحا إلا إذا كانت الصفة التي اقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح راسخة فيه.

وقيل: «يقتدر بها» ولم يقل: «يعبر بها» ليشمل حالتي النّطق وعدمه.

وقيل: «بلفظ فصيح» ليعم المفرد والمركب.

وأما بلاغة الكلام فهي: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته.

ومقتضى الحال مختلف؛ فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذّكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكيّ يباين خطاب الغبيّ.

وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام، إلى غير ذلك، كما سيأتي تفصيل الجميع.

وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاطه بعدم مطابقته له.

فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب.

وهذا ـ أعني تطبيق الكلام على مقتضى الحال ـ هو الذي يسمّيه الشيخ عبد القاهر بالنظم حيث يقول: النظم تأخّي معاني النّحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.

فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ باعتبار إفادته المعنى عند التركيب. وكثيرا ما يسمى ذلك فصاحة أيضا، وهو مراد الشيخ عبد القاهر بما يكرره في «دلائل الإعجاز» من أن الفصاحة صفة راجعة إلى المعنى دون اللفظ، كقوله في أثناء فصل منه: علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها.

وإنما قلنا مراده ذلك لأنه صرّح في مواضع من «دلائل الإعجاز» بأن فضيلة الكلام للفظ، لا لمعناه، منها أنه حكي قول من ذهب إلى عكس ذلك فقال: فأنت تراه لا يقدّم شعرا حتى يكون قد أودع حكمة أو أدبا أو اشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر.

ثم قال: والأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وما عليه المحصّلون لأنا لا نرى متقدّما في علم البلاغة مبرّزا في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت