فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 410

بالجمود، لظنّه أن الجمود خلوّ العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر، وأخطأ، لأن الجمود خلوّ العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها؛ فلا يكون كناية عن المسرة، وإنما يكون كناية عن البخل، كما قال الشاعر:

ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود (1)

ولو كان الجمود يصلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال: لا أبكى الله عينك، وذلك مما لا يشك في بطلانه، وعلى ذلك قول أهل اللغة: «سنة جماد» لا مطر فيها، و «ناقة جماد» لا لبن لها، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدّرّ، لا تجعل العين جمودا إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت، وإذا لم تبك مسيئة وموصوفة بأنها قد ضنّت.

فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا، حتى يخيّل إلى السامع أنه فهمه من حاق اللفظ. كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية.

وقيل: فصاحة الكلام هي خلوصه مما ذكر، ومن كثرة التكرار، وتتابع الإضافات، كما في قول أبي الطيب:

سبوح لها منها عليها شواهد (2)

وفي قول ابن بابك:

حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي (3)

وفيه نظر؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثّقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم، وإلا فلا تخلّ بالفصاحة، وقد قال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «الكريم ابن الكريم ابن

(1) البيت من البسيط، وهو لأبي عطاء السندي في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1/ 151، ودلائل الإعجاز ص 269، والإشارات والتنبيهات ص 12.

(2) صدر البيت:

وتسعدني في غمرة بعد غمرة

والبيت من الطويل، وهو في ديوان المتنبي 2/ 70 (طبعة دار الكتب العلمية) .

(3) عجز البيت:

فأنت بمرأى من سعاد ومسمع

والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في تاج العروس (جندل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت