? والنوع الثالث من التقوى في القرآن: تقوى أُمر بها من هو آتٍ بها، وذلك قول الله جل وعلا {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب:1] ومن أُمِر بشيء هو محصله، فإنّ معنى الأمر أنْ يثبت عليه، وعلى دواعيه، فمعنى قول الله جل وعلا {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب:1] ، يعني اثْبُتْ على مقتضيات التقوى (وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) ، وذلك قوله جل وعلا {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء:136] الآية في سورة النساء، فناداهم باسم الإيمان، ثم أمرهم بالإيمان، وهذا معناه أن يثبتوا على كمال الإيمان، أو أنْ يكملوا مقامات الإيمان بحسب الحال؛ لأنّ لفظ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الإيمان له درجات.
فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا (اِتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ) هذا خطاب موجّه لأهل الإيمان، يعني لأهل النوع الثاني، فالمقصود منه أنْ يأتي بتقوى الله جل وعلا في أي مكان، أو زمان كان، فهو أن يعمل بالطاعات، وأن يجتنب المحرمات، كما قال طَلْقُ بن حبيب رحمه الله: "تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله". قال ابن مسعود وغيره في رجل سأله عن التقوى فقال: ألم تمش على طريق فيه شوك ؟ فقال بلى. قال فما صنعت ؟ قال شمرت واتقيت، قال فتلك التقوى. وهي مروية أيضا عن عمر - رضي الله عنه - ونظمها ابن المعتز الشاعر المعروف بقوله:
خلٍّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أر ... ضِ الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنّ صغيرة ... إنّ الجبال من الحصى