وقد ندم شيخ الإسلام رحمه الله آخر عمره على أنه لم يجعل النصيب الأوفر في عمره للتفسير؛ لأنّه بالتفسير يستطيع المصلح والمجدد ويستطيع الإمام والعالم أن يقرر ما يريد، يقرر مناهج السلف، يقرر التوحيد، يقرر العبادات، يقرب الناس إلى ربهم، يُذِّكر بالآخرة يعظ، بالتفسير يستطيع أن يصل الناس في جميع مشاربهم، شيخ الإسلام وابن القيم لم يفسروا كل القرآن وإنما فسروا واعتنوا بآيات أشكلت وبما يهمّ تفسيره من آيات أو سور في التوحيد، مثل تفسير سورة الإخلاص، تفسير سورة ?سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى?، تفسير المعوذتين وأشباه ذلك، آية الكرسي أو آيات أشكل تفسيرها.
إذن شيخ الإسلام وابن القيم تميّزت تفاسيرهم بشيئين:
أولا: أنهم اعتنوا بتفسير سور فيها التوحيد والعقيدة بعامة.
[ثانيا] : اعتنوا بتفسير آيات أشكل تفسيرها على العلماء من قبل.
ظلّت هذه المدارس تمشي وتزحف، والخلف يقلدون من قبلهم فيها، وهكذا إلى أن وصلنا إلى مشارف العصر الحديث، أنا سرت بكم تاريخيا مرورا بمدارس التفسير حتى يكون عندكم تصور إجمالي للتفاسير واتجاهات التفاسير منذ نشأة التفسير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وقتنا الحاضر.
بدأ العصر الحديث، والعصر الحديث يحتاج إلى ضابط، بداية العصر الحديث هذا متى؟ فبالنظر إلى اختلاف وجهة التفسير يمكن أن نقول إنّ العصر الحديث يبدأ في التفسير ببداية القرن الرابع عشر يعني من ألف وثلاثمائة هجرية فما بعد؛ وذلك لأنّ التفاسير فيما قبل هذا التاريخ سارت على نمط التفسير قبل ذلك؛ فمثلا في القرن الثالث عشر الهجري ظهر تفسير الآلوسي قد سار على نحو ما قبله، وظهر تفسير الخطيب الشربيني على نحو ما قبله، وظهر تفسير صديق حسن خان على طريقة ما قبله، وظهر تفسير الشوكاني "فتح القدير" على طريقة ما قبله؛ يعني أنه منذ ابتداء تميز التفاسير في مدرسة التفسير بالرأي على نحو ما ذكرنا لم يظهر اختلاف كثير في مدارس التفسير حتى ابتدأنا في العصر الحديث.
العصر الحديث ظهرت تفاسير مختلفة ومتنوعة المشارب واجتهادات كثيرة في التفسير، وكان لذلك سبب، ولابد من معرفة السبب حتى يُتصور لمَ صارت تلك التفاسير؟