لابدّ أنْ نعلم أنّ العلم منه محكم ومنه متشابه وقد قال جلّ وعلا ? هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا? [آل عمران:7] ، عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» العلم منه محكم ومنه متشابه، النصوص منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه، فما المحكم منها؟ الواضح البين الدلالة، المتشابه هو الذي لا يفهمه إلاّ الراسخون في العلم؛ يحمل المتشابه على المحكم رد المتشابه إلى المحكم، فمن استدل بالمتشابه وترك المحكم أو لم يجعل المتشابه راجعًا إلى المحكم فإنه ممن سمى الله فاحذروهم ممن قال الله جلّ وعلا فيهم (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) فإذن العلم المحكم فيه بيّن، والمتشابه منه لا يدركه إلاّ أهل العلم، صنيع العلماء صنيع الراسخين في العلم التمييز بين المحكم والمتشابه يستدل بالمحكمات ويصرف المتشابهات إلى المحكمات، أما صنيع المفكرين صنيع الجهلة أو صنيع القراء أو صنيع أهل الهوى فإنهم يستدلون بالمتشابهات ويتركون المحكمات، يستدل بالمتشابه من السنن، يستدل بالمتشابه من الآيات، فلا غرابة إذن أن استدل الخوارج على بدعهم بالقرآن والسنة، لا غرابة أن استدل المعتزلة على بدعتهم وضلالهم بالكتاب والسنة، لا غرابة أن استدل الجهمية والصوفية على ضلالاتهم بالكتاب والسنة؛ لأنهم لم يستدلوا بالمحكمات وإنما استدلوا بالمتشابهات، والعلم لو لم يكن فيه المتشابه لتعاطاه كل أحد، ولم يفن فيه أهل العلم أعمارهم حتى يفقهوا مراد الله جلّ وعلا من كلامه والمتشابه والمحكم لناله كل واحد وهذا لا يكون، فإنما العلم للراسخين في العلم الذي استوعبوا حياتهم فيه وعرفوا مدلولات النصوص.