الصبر في القرآن في أكثر من ثلاثين موضعا، الأمر بالصبر، الأمر بالصبر، وذكر فضل الصابرين ومنزلتهم في الدنيا وفي الآخرة، إلى آخر ذلك، وهذا يدل على عظم هذا الجانب.
فمن المهمات لساك منهج السلف الصالح أنْ يُطبق هذه الأربع: العلم والعمل والدعوة إليه -يعني إلى ما دل عليه العلم- والصبر. وأنْ يكون صابرا في الجميع، وإذا لم يصبر فيذهب عن منهج السلف الصالح؛ لأن هذا المنهج على ما وجب شرعا، هذا وما وجب شرعا يخالف الأهواء، وقد يكون من الأهواء ما فيه عجلة واستعجال.
المقصود من هذا، التأكيد على نشر الدعوة، وعلى الصبر على الأذى، والصبر على ما ينالك من المكاره، الصبر على الثبات على هذا المبدأ؛ على هذا المنهج، الصبر على القناعة بهذا الحق، قد تقول حصل وحصل والشر يزداد ويزداد ويزداد، ثم أنت لم تبرح مكانك، فتظن أنّ الخير في غيره؛ لأنّ هذا لم تحقق به نتيجة، وفي الواقع أنّ ذلك من جهة عدم الصبر على أمر الله جل وعلا وعلى سنة الله جل وعلا في ملكوته، نوح عليه السلام صبر ألف سنة إلا خمسين عاما، فلو صبرتَ مثلها لم تكن إلاّ مقتفيا لأثر الرسل.
المهم أنْ تعمل على وَفق الأمر، حصل ما تريد أم لم تحصل، هذا ليس من شأنك؛ لأنّ الله جل وعلا قال لنبيه ? لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ? [البقرة:272] ، مع قوله ?وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ? [الشورى:52] ، فهداية الدِّلالة والإرشاد تمشي فيها، ولكن ليس عليك هداهم، فكونهم يحصل لهم ذلك هذا ليس إليك، وقد بَلَغَ بالنبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عظيما أنْ لا يؤمن الناس فقال جل وعلا في وصف ذلك ?فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا? [الكهف:6] فدلت الآية على مقامين:
الأول: أن قتل النفس بالحَزَن والحصرة وأشبه ذلك، وهو المراد بقوله (بَاخِعٌ) يعني قاتل نفسك على آثارهم، هذا كان مما يعرض لصفوة الخلق، الله جل وعلا عاتب نبيه على ذلك.