.... الخ ، وهذا ليس بجيد ، مع إهمال خطبة الحاجة الثابتة، وهي أليق بمثل مناسبة الجمعة ، وهي تقال في كل حاجة ، وليست في النكاح فحسب وقد جعلها بعضهم للجمعة كما صنع النسائي والبيهقي في سننهما ، والأكثر قيدوها بالنكاح ولا وجه للتخصيص.
الانشراح النفسي
من أهم عوامل النجاح والإبداع ، أن تأتي للموضوع وأنت منشرح النفس ، مسرور الخاطر ، فسيح الصدر ، وهذا سيجعلك أكثر احترامًا للمنبر ، وتقديرًا لعقول الناس .
وقد يكون من المستحسن للخطيب ألا يُكره نفسَه على موضوع معين ، وأن يُجمَّ نفسه أحيانًا عند التكدر بإنابة غيره من الفضلاء لأداء الواجب ، لأن النفس تقبل وتدبر ، والقلب يحتاج إلى ترويح وانشراح ، والحياة غزيرة المشكلات والأرزاء .
ومما يسهم في انشراح النفس واستعدادها الدعوي:
تحسين الطاعة ، ودوام التبتل والمناجاة.
الإحسان إلى الناس ، وصنائع المعروف، وللصدقة سر كبير يدركه أهلها ، (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]
الانقباض ، ولو يومين قبل الخطبة ليتم الاستعداد .
تصحيح النية ، ومجاهدة النفس تزكية وتنقية ، (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس:9] .
محبة الخير للخلق ، والتواضع معهم وملاينتهم وتقديرهم ، حيث يشرح الفؤاد، ويفتح مغاليق الصدور ، ومن لانت كلمته وجبت محبته .
الحذر من الذنوب لا سيما آفات اللسان ، والتحلي بالصمت الرزين (فليقل خيرًا أو ليصمت) .
سؤال الله تعالى شرح الصدر ، وذهاب الغم والهم ، وأن ييسر أسباب الفتح والفرج (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا) . [ فاطر: 2 ] .
مستوى الخطاب
ثمة مسافة كبيرة وشاقة بين خطاب الصفوة ، وخطاب العامة ، فمن كان خطيب عامة لا يصلح أن يكون خطيب صفوة ، وخطيب الصفوة يستطيع النزول إلى مستوى العوام .
المهم أن يقدر الخطيب النابه كل موقف بحسبه ، وأن يراعي وضعية الجامع وموضعه، والمكان الذي ينتمي إليه .
وبعض القضايا صالحة في حياة الأمة لا تصلح أن تكون ميدان حديث عند العوام ، (وجوامع المناطق النائية) لا تعرف أشياء كثيرة عن مشكلات المدينة !
فالحذر الحذر من الزج بمشكلات المدينة وتعقداتها إلى العامة .
وكذلك جوامع الأسواق من المفيد والجيد ، تربيتهم إيمانيًا وسلوكيًا، وتعليم قوانين البيع والشراء ، وأدب السماحة ، ومحرمات التعامل التجاري وفتح صناديق البذل والسخاء في نفوسهم .
وعند استشراء منكر من المنكرات ، في جهة معينة ، ليس من الحسن نقله في قرية أخرى ، بالتغليظ والتهديد والاتهام ، لكأن الحضور هم من يقارف ذلك ! والسبب جهل الخطيب بحاجة هؤلاء وتخصص أولئك بذاك!!
ومن الضروري جدًا أنك إذا دُعيت إلى جامع ، أن تسأل عن موقعه ، وجمهوره ، وإقليمه ، ومشكلاتهم ، حتى لا تخلط الملح بالعسل، وتصب الزيت في الماء وتجعل عباس في دباس كما يقال !
وإذا حُدد لك العنوان من أهل الجامع ، فالتزم وكفاك الله مؤونة البحث، وهيبة الإحراج والانزلاق .
ومن المناسبات في الطرح أن لا تضخم العثرات ، أو تقزم الكبائر والمعضلات ، وأن يكون الدليل الشرعي رائدنا ، والحكمة الدعوية بغيتنا حيث يعطى كل شيء قدره ، ويُقام له حقه وحظه .
وليس أحسن من الغطاء الشرعي في التحذير من شيء ، أو الترغيب في فضيلة ، بلا مبالغات أو التورط في محذورات .
ومن المناسب في فقه الخطاب مراعاة مستوى (ثقافة الحضور) ومقدار استيعابهم ، فلا يُحدَّث العوام بالقضايا المصيرية والفلسفية التي تتجاوز حدود فهومهم ، وفي القرآن (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [ النحل: 125 ] .
وقد قال علي رضي الله عنه (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ؟! وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود (ما أنت محدث قومًا حديثًا ، لا تبلغه عقولهم ، إلا كان لبعضهم فتنة) !
قد تنقلب الخطبة الرائعة الوفية إلى نوع من المعاني المغلوطة والأفكار المقلوبة ، التي تحدث أمرًا عكسيًا على نفوس الحاضرين .
كالذي يتحدث عن الأسماء والصفات ، وهو مبحث عقائدي شائك أمام عامة يصفون الله بصفات الجمال والجلال والعظمة ! فلا داعي لذكره والتنقيب فيه .
ويجب عند العامة تحاشي التفاصح المبالغ فيه ، وغرائب الكلمات التي لا تستعمل إلا أمام النخبة من المثقفين ! ولا يعني ذلك تجويز استعمال العامية وانخفاض اللغة ! كلا ولكن يرسل الكلام إرسالًا دون مبالغة وتفاصح وتقعر ، أما الحديث بالعامية فمذموم في الخطبة ، لرداءتها واعوجاجها ، بل يجب أن تكون الخطبة فصيحة بليغة كما أفاده النووي في المجموع . (4/358)
والخطبة بالعامية لا تقل شناعة عن الخطيب اللحان ، فهي آفة لسانية ، مكدرة للدعوة ، مزرية بالمتحدث ، مفسدة للذوق اللغوي .
ويغلب على خطاب النخبة الخطاب العقلي، والرقمي الذي يدقق ويقرر ، ويحلل الظواهر ، ويقدم الرؤى المرشحة في ذلك ، ويميل للتقلل العاطفي .