أمام هذه المناقشة لرأى الفريقين يترجح لى قول المجيزين، عملًا بأصول الضرورة أو الحاجة العامة المتعينة، والقاعدة المتقدمة تقول:"الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن إنقاذ حياة إنسان أولى وأفضل من تركه معرضًا للموت أو فقد البصر، مثل نقل قرنية العين أو إحدى الرئتين عند الإشراف على الموت أو حالة إهدار الدم، أو التأكد من القصاص من الجانى القاتل عمدًا، أو نقل الكلية من الحى إلى آخر هو بأشد الحاجة لإنقاذه من الموت.
ففى هذه الأحوال وأمثالها تتحقق مصلحة راجحة، وليس في النقل كسر عظم ولا تشويه للحى أو الميت، لتقدم العمليات الطبية الحديثة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على سلامة الحى، ولا ضرر يلحق بالميت، ولا تمثيل به، بسبب وجود مصلحة راجحة في النقل والزرع.
شروط المتبرع:
تشترط الشروط الآتية:
1.أن يكون المتبرع كامل الأهلية، أى بالغًا عاقلًا رشيدًا.
2.أن يتم النقل برضاه، أو إذنه الصريح أو الضمنى حال الحياة، أو بوصية بعد الموت، أو بإذن أوليائه أو قرابته بترتيب العصبات:"البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة".
3.أن لا يترتب على نقل العضو ضرر محقق أو مظنون، وأن لا تتعرض حياته للخطر؛ لأن التبرع بالأعضاء بقصد التعاون والتكافل مرهون بمراعاة الأولويات، ولاشك بأن المتبرع أولى برعاية مصلحته من المتبرع له؛ لأن الإنسان مطالب شرعًا برعاية مصلحته الذاتية أولًا كما في حال النفقة مثلًا، ثم رعاية مصلحة غيره.
4.أن يكون القصد من النقل والزرع تحقيق مصلحة علاجية، ومن غير بيع أو متاجرة، لعدم جواز المعاوضة لأجزاء الإنسان، فإن بادر المتبرع إليه بتقديم مبلغ للمتبرع على سبيل الإحسان والوفاء بالمعروف دون مشارطة، فيجوز للمتبرع الأخذ، عملًا بالمبدأ الأخلاقى الإسلامى، وهو:"من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له"كما ثبت في السنة النبوية [1] .
5.أن لا يكون هناك ضرر محقق أو مظنون على صحة المتبرع، وأن لا تتعرض حياته للخطر؛ لأن التبرع بالأعضاء مرغوب فيه بقصد التعاون والتكافل، على أن لا يكون سببًا في الضرر.
ذكرت لجنة الإفتاء بالسعودية هذه الشروط، ونصت على ما يأتى:"إن نقل عضو حى صحيح سالم برضا صاحبه، وتبرعه، لإنقاذ مريض ميئوس من شفائه إلا بزرع ذلك العضو من باب الإحسان وعمل الإيثار على النفس" [2] .
(1) رواه البخارى، والترمذى، وأبو داود، وابن حبان.
(2) مجلة البحوث الفقهية، العدد 22 صـ 47 وما بعدها.