هذا ... ، وقد خضت تجربة في تحقيق هذا المخطوط، أعدُّها من أنفس تجارب الحياة، وأمتع أيام العمر؛ إذ قد طوَّفت به أرجاء البلاد، وارتحلت في كثير من المدن والأقطار، وتعايشت مع أزمانٍ بعيدة الأعصار، وأحقاب عديدةٍ في نواحي الأمصار، في قرون خلت، وظروف مضت، متفاوتةٍ ومتباينةٍ؛ تورث الشيء الكثير من التجارب، وتزوّد الباحث بالعديد من المواهب، لاسيما والأمر مع صفوة كرام، وأئمِّة في العلم والدين عظام، تسترشد بأقوالهم، وتصحبهم في حلِّهم وترحالهم، وتتعرَّف على نبل أخلاقهم، وتحفزك سيرهم، وتشحذ عزيمتك أخبارهم، فتأنس بمجالسهم، ويأسرك الحديث عن مآثرهم، فنسأل الله أن يكتب لنا بمدارسة العلم وأقوال العلماء فضلَ هذه المجالس؛ فَـ (( هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ) ) [1] ؛ ولو ذهبت أعدُّ ما اكتسبته، وما وقفت عليه أو نلته؛ لطال بنا المقام، ولكنَّها خواطر بثثتها لكم، وإن كان أصلها معكم، فإنما مثلي كقاطف الورد لأهله، ومُورِد الماء لنبعه.
الصعوبات التي واجهها الباحث:
وأوجزها في الآتي:
1.عدم التفرغ الوظيفي؛ ممّا يظهر أثره، ويؤتي ثمره على البحث والباحث؛ وهذا ما لا يكاد يخفى.
2.عدم الاستقرار الوظيفي؛ إذ إني طائفيُّ الدوام، مكِّيُّ المقام؛ ممَّا يكلِّف عبأً، ويستهلك جهدًا، الباحث في مسيس الحاجة لصرفه في بحثه.
3.كون النسخة المحقَّقة هي النسخة الوحيدة؛ بالإضافة إلى أنَّ معظم كلماتها غير منقوطة؛ محتملة لأوجه كثيرة، مما يتحتم لتذليل هذه الصُّعوبة كثرة المِران وطول الممارسة، والإمعان في مطالعة موارد المخطوط، ومراجعة مصادره، ومظان من ينقل عنه.
(1) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ (4/ 2069) ، كِتَاب الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَابُ فَضْلِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ، ح (2689) .