اقتضاه قوله تعالى: ... {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} [1] ، فلما حصل الوعد بالانتصاف من مكذبي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة، أعقب بقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ فإن مناسبة الأمر بالصبر عقب ذلك أن يكون تعريضًا بالانتصار له ولذلك فرَّع على الأمر بالصبر الشرطُ المردَّد بين أن يريه بعض ما توعدهم الله به وبين أن لا يراه، فإن جواب الشرط حاصل على كلتا الحالتين وهو مضمون في قوله: فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ أي أنهم غير مفلَتين من العقاب، فلا شك أن يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد الأمرين عذابهم في الدنيا أو الدنيا والآخرة) [2] .
و النبي - صلى الله عليه وسلم - إمام الدعاة وقدوتهم في أقواله و أفعاله ومنهج دعوته، فقد أمره الله أن يستمسك بالوحي فإنه هو الصراط المستقيم و بموجب الالتزام به سيُسألون يوم القيامة، أما نتيجة الدعوة والنصر على المعارضين فإن الله قد تكفل بها وهي متحققة عاجلًا أو آجلًا، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [3] ، إن تربية الوحي للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الآيات السابقة جعلته يقول لأصحابه - رضي الله عنهم -"وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"ذمًا للاستعجال،
(1) سورة غافر، 4.
(2) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 24/ 208.
(3) سورة الزخرف، 40 ـ 44.