الصفحة 26 من 63

على إثر سماعه لهذه المظلمة الجائرة والتي عُرضت عليه في صورة مثيرة لأحد الخصمين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ، فلم يوجه إلى الخصم الآخر حديثًا , ولم يطلب إليه بيانًا , ولم يسمع له حجة. و القاضي يجب عليه ألا يُستثار , وعليه ألا يتعجل، و ألا يسير مع الانفعال الأول , ويجب عليه التريث والتثبت والتبين، وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته، فقد يتغير وجه المسألة كله , أو بعضه , وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعًا أو كاذبًا أو ناقصًا! [1] .

ولكن داود عليه السلام سرعان ماتنبه، و أدركته طبيعته التي وهبه الله إياها كما في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [2] فاستغفر ربه كما قال الله تعالى عنه: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} ... .و لذلك جاء التعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس فيقول تعالى: يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى

(1) ... انظر: أحكام القرآن، ابن العربي، 7/ 24. و تفسير الفخر الرازي، محمد الرازي،=== ... ==1/ 280. و مفاتيح الغيب،، 26/ 169. و ظلال القرآن، سيد قطب، 36/ 21. وقد قال الكثير من المفسرين: أن داود عليه السلام لم يستعجل ويحكم إلا بعدما سمع اعتراف الثاني أو سكوته لكونه نبي معصوم، أو أنه على تقدير: إن كان حقًا ما تقول. والصحيح أن الأنبياء معصومون في البلاغ وكبائر الذنوب، أما أحداث قصة حكم داود عليه السلام فهي قصة تربية وتشريع يقوم بها الأنبياء بتوجيه رباني وليس فيها ما ينافي نبوة داود عليه السلام وعصمته. و الله تعالى أعلم.

(2) سورة ص، 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت