المطلب الرابع: هل يمكن اكتساب الأناة.
الأناة خلق كبقية الأخلاق الإنسانية قد يُجبل عليها الإنسان منذ ولادته فتكون خُلقًا ملازمًا له وهبه الله إياه، وقد يولد الإنسان ويكبُر وهو لا يتحلى بهذا الخلق، فيُدرب نفسه ويُمرِّنُها بالأفعال و الأسباب التي تُستجلب بها الأناة. والدليل على إمكانية اكتسابها قول أشج عبد القيس - رضي الله عنه - للرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا. قَالَ - صلى الله عليه وسلم: بَلْ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ [1] . فلو أنه لا يمكن اكتسابها لبينه - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس عندما قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا. كما أنه قد ورد أيضًا في السنة ما يدل على أنها تُكتسب فعن معاوية - رضي الله عنه - قال:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما يخشى الله من عباده العلماء" [2] . لذلك ينبغي لطالب
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في قبلة الرجل، 4/ 525، رقم 4548. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 3/ 282.
(2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 15/ 270.قال ابن حجر: بعد أن ذكر هذا الحديث بلفظه إسناده حسن أورده ابن أبي عاصم و الطبراني. (انظر: فتح الباري، ابن حجر، ... 1/ 294) ، وحسنه الألباني بلفظ"إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يُعطه ومن يتق الشر يوقه" (انظر: السلسلة الصحيحة، الألباني، 1/ 220) .