على أصول نحوية وعلى المفتي والمجتهد أن يكون عارفا بالرجال وبطرق الجرح والتعديل فلما انفك الفقه عن الحديث وقعت طامات والخلاف والانفصام بين الفقه والحديث من الأمور البدعية ما أنزل الله بها من سلطان فالأصل في الفقيه أن يكون محدثا والأصل في المحدث أن يكون فقيها، أصبحت كتب المتأخرين من الفقهاء تعج بالأحاديث الضعيفة والواهية مما جعل الأمر شاقا وأوقع طلبة العلم في ربكة فالموفق والسعيد من انتبه إلى ضرورة الحديث وضرورة الفقه وألف الخطيب البغدادي رسالة"نصيحة أهل الحديث"نصحهم وبين لهم ما الفائدة من الحديث إن لم ينبني عليه فقه، فيجب على المجتهد أن يكون عارفا فيما يحتاج إليه في استنباط الأحكام؛ فيثبت الحكم أولا ثم يفهم الحكم على النحو الذي أنزله الله فلا يفهم الحكم بأعجمية أو ما طرأ أو دخل عليه من معنى زائف ليس له وجود في الشريعة وقد يقع للكبراء مثل هذا بأن يتسلل لأذهانهم شيء، قال ابن العطار في ترجمة النووي: ينقل عن شيخه النووي يقول: كنت أفهم حديث"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل"أنه إذا قرقع البطن وجب الغسل فكلما قرقع بطني أغتسل حتى تشقق جلد ظهري. انتهى
الاعتماد على الأئمة النقاد من أئمة الحديث أئمة الجرح والتعديل هذا الاعتماد ليس تقليدا كمسائل الفقه هؤلاء سبروا وعرفوا وأحكامهم أشبه ما تكون بخبر الثقة وليست بحكم الثقة.
يجب على المفتي أن يكون عارفا بتفسير الآيات الواردة في الأحكام، اختلفوا أولا هل يشترط حفظها فكان السمعاني في قواطع الأدلة يقول يشترط حفظ آيات الأحكام لأن الحفظ أضبط لمعانيها بينما ذهب جماهير الأصوليون إلى عدم اشتراط الحفظ وإنما على معرفتها ومعرفة مواقعها من كتاب الله فلو غابت ألفاظها عنه فلا تغيب معانيها. ثم اختلفوا في عددها منهم من قال هي مائة ومنهم من قال خمسمائة وجلهم يقول خمسمائة وبعضهم كابن دقيق العيد وهذا الذي أراه راجحا أنها تختلف باختلاف القرائح والأذهان وما يفتحه الله عز وجل على عباده من وجوه الاستنباط فيصعب ويعسر جدا أن يقال أن آيات الأحكام كذا وكذا فقد يفتح الله على عالم فيستنبط من آية لا تعد من آيات الأحكام يستنبط حكما وكان هذا ذريعة لقول من اشترط حفظ القرآن، ووقع خلاف في السنة وينبغي للمفتي أن يكون على ذكر من أحاديث الأحكام مع الاعتراف كما قال الشافعي: لا تحقق أحاديث النبي مجموعة لشخص واحد فيستحيل شخص يجمع جميع أحاديث النبي. ومن كلام الزركشي في البحر المحيط قال: وظاهر كلامهم (جماهير الأصوليين) أنه لا يشترط حفظ السنة أي بالجملة بلا خلاف لعسره وأكد ابن جزي في تقريب الأصول على ضرورة فهم السنة وقال غير واحد من الأصوليين لو أن عنده أصول أحاديث ويستطيع أن يصل بهذه الأحاديث وتكون هذه الأصول مضبوطة لكفاه ذلك مثل ما قالوا في آيات الأحكام.
ومنهم من قال أن يكون المفتي عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام أن يكون عارفا بعلم الكلام وهذا الكلام ضعيف إذ لا صلة بين علم الكلام وبين الفتوى فضلا عن العلم الشرعي المضبوط بالوحي فعلم الكلام يحتاجه الأصولي المتبحر وأنه لا يشترط التبحر في العلوم المذكورة آنفا ولا يشترط في الإمام الذي يعرف النحو أن يكون كسيبويه هذا أمر عسر جدا وإنما يكفيه أن يكون عارفا بأصل هذه العلوم وجل المسائل فيه وأن يحصل المقصود من وراء هذا الاشتراط سواء علم اللغة أو علم النحو أو في معرفة قواعد الأئمة في تثبيت الأخبار أو قواعد الاستنباط وكذلك في أحاديث الأحكام وآيات الأحكام.