وعن نسير قال:بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية"أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء"سورة الجاثية , آية: 21 فمكث ليلة حتى أصبح ما يجاوز هذه الآية الى غيرها ببكاء شديد 67 .
وكان جعفر بن حرب يتقلد كبار الأعمال للسلطان وكانت وظيفته تقارب وظيفة الوزارة فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم فسمع رجلا يقرأ"ألأم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"سورة الحديد , آية: 17 فصاح اللهم بلى يكررها ثم بكى ثم تاب ورد المظالم التي كانت عليه وانقطع الى العلم والعبادة حتى مات 68.
وكان علماء السلف يدركون أثر القرآن ولذلك يعظون ويذكرون بآياته ويكون لها موقع عظيم في نفوس الخلق وقد تقدمت قصة عمر وصاحب الشراب قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله-من لم يتعظ بالقرآن فلا اتعظ.
قال الذهبي:بلغنا أن فخر الرازي وعظ مرة عند أبي المظفر محمد بن سام فقال يا سلطان العالم لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي يبقى وان مردنا الى الله وان المسرفين هم أصحاب النار قال فانتحب السلطان بالبكاء 69 .
وكان للمنذر بن سعيد الأندلسي 70 نصيب من هذا فلقد قحط الناس في آخر مدة الناصر فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز الى الاستسقاء بالناس فصام أياما وتأهب واجتمع الخلق في مصلى الربض وصعد الناصر في أعلى القصر ليشاهد الجمع فأبطأ منذر ثم خرج راجلا متخشعا وقام ليخطب فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال سلام عليكم ثم سكت شبه الحسير ولم يكن من عادته فنظر الناس بعضهم الى بعض لا يدرون ما عراه ثم اندفع فقال:"فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"سورة الأنعام , آية: 54 الآية استغفروا ربكم وتوبوا إليه وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء والتضرع وخطب فأبلغ فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم .