فهرس الكتاب
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄

  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
  • 📄
الصفحة 18 من 64

العربية لأول مرة في تاريخها تحت راية الإسلام، فكانت هذه نقلة في تاريخ شبه الجزيرة العربية السياسي.

وهكذا فإن الإسلام أحدث تغييرًا جذريًا في حياة الفرد والمجتمع في المدينة المنورة لما تميز به من عمق وشمول وقدرة على التأثير حتى صبغ الحياة بكل جوانبها بصبغته (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً [1] .

وسوف نتلمس آثار هذا التغيير الشامل في المباحث التالية:

الهجرة وأثرها في التكوين الاجتماعي لسكان المدينة

قدم المهاجرون إلى المدينة المنورة - كما أُطلق على يثرب في الإسلام - وكانوا في البدء من عشائر مختلفة من قريش، ثم استمرت الهجرة وصار حقًا على المسلمين الجدد في أرجاء الجزيرة أن يهاجروا إليها وظل الأمر كذلك حتى أوقفت الهجرة رسميًا بعد فتح مكة عام ثمان للهجرة.

والهجرة حدث عظيم استحق أن يكون بداية العام الهجري الجديد عند المسلمين منذ أن وضع الخليفة عمر بن الخطاب التقويم الهجري.

فالهجرة كانت دليلًا على الإخلاص والتفاني في سبيل العقيدة، فقد فارق المهاجرون وطنهم ومالهم وأهليهم ومعارفهم استجابة لنداء الله ورسوله. ولما اعترضت قريش سبيل صهيب الرومي بحجة أنه جمع أمواله من عمله بمكة ولم يكن ذا مال قبل قدومه مكة، ترك لهم أمواله وهاجر بنفسه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب [2] . ومنع المشركون أبا سلمة رضي الله عنه من الهجرة بزوجته وابنه فلم يمنعه ذلك من الهجرة وحيدًا تاركًا زوجته وكفله وقد ظلت زوجته أم سلمة تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي نحو سنة، حتى تمكنت من الهجرة بابنها ولحقت بزوجها [3] . وهكذا فإن الهجرة اقترنت بظروف صعبة كانت تمحيصًا لإيمان المؤمنين واختبارًا لقوة عقيدتهم، واستعلاء إيمانهم على الأعراض والمصالح والعلائق الدنيوية.

وقد دلت أحداث الهجرة على سلامة التربية المحمدية للصحابة رضوان الله عليهم، فقد صاروا مؤهلين للاستخلاف في الأرض وتحكيم شرع الله والقيام بأمره والجهاد في سبيله وهم يقبلون على بناء دولة المدينة المنورة بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس.

وقد اختار الله تعالى المدينة لهجرة المسلمين لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"قد أُريت دار هجرتكم، أُريت سبخة ذات نخل بين لابتين"رواه البخاري ومسلم [4] .

وتأخر الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة وأخر معه أبا بكر الصديق رضي الله عنه حتى أذن الله تعالى له بالهجرة. قالت عائشة رضي الله عنها: وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"، فلما أذن الله لرسوله بالخروج لم يُعْلِمْ أحدًا بذلك إلا عليًا وأبا بكر وآله، وكان المشركون قد غاظتهم هجرة المسلمين فأتمروا لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [5] وقد خرج الاثنان إلى جبل ثور حيث أويا إلى غار فيه، وتعقبهم المشركون إلى المكان حتى بدت أقدامهم خارج الغار فقال الصديق رضي الله عنه: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما". متفق عليه [6] لكن الله تعالى صرف المشركين عنهما فلم يفطنوا لهما، وخرج الاثنان بعد ثلاثة أيام في طريقهما إلى المدينة [7] يقطعان الصحراء ورسول الله قد بلغ الثالثة والخمسين وأبو بكر بلغ الحادية والخمسين، لكن القلوب الموصولة بالله تعالى لا يعيقها شيء عن بلوغ القصد وتحقيق أهداف الرسالة، ورسالة الإسلام جاءت تنظم أمور العبادات والمعاملات فهي دستور للحياة لابد لتطبيقه من أرض وأمة تقام فيها أحكام الله تعالى التي اكتمل تشريعها فيما نزل في المدينة المنورة من قرآن وما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو علمه أو أمر به من سنّة ... وهي تعطي صورة لأمثل دولة ضمت أمثل مجتمع ظهرت في تاريخ البشر وهي النموذج الذي ينبغي على المسلمين في كل زمان ومكان أن يحتذوه ليكفلوا لأنفسهم سعادة الدارين ويبتعدوا عن

(1) سورة البقرة من الآية 138.

(2) الحاكم المستدرك 3/ 398 وقال صحيح على شرط مسلم.

(3) انظر الإصابة 8/ 222.

(4) صحيح البخاري 7/ 186 وصحيح مسلم 7/ 57.

(5) سورة الأنفال الآية: 30.

(6) صحيح البخاري 7/ 217 وصحيح مسلم 7/ 109.

(7) أحمد: المسند رقم 351 وانظر ابن كثير: البداية والنهاية 3/ 187 - 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت