وما يقتضيه التطور المدني من حاجات أخرى كالمواصلات، والأمن، والسقاية، والرعاية الاجتماعية، مما لا يمكن للدولة آنذاك أن تقوم به وحدها، بل لا بد من تضافر الجهود، والمبادرات للنهوض بالأمة وتطويرها، وتلبية احتياجاتها المتجددة، وكان لتظافر الفقه، والإيمان، والوعي أكبر الأثر في الاستجابة إلى هذا التطور الحضاري بتطبيق سنة الوقف، تطبيقًا يتسم بسعة الأفق، والشمول لكل عمل خير يستجيب لحاجة، أو يسد خله، أو يظهر معروفًا أو يقمع منكرًا، أو يدفع ظلمًا، أو ييسر على الخلق، بعطاء رابح متجدد، أصبح الأنموذج والقدوة، يتناقله الخلف عن السلف حتى اتسع نطاق الأوقاف، واستطاع استيعاب كل ما يجد من وقائع في الحضارة الإسلامية، بل أثر على الأمم المجاورة، فانتقلت فكرة الأوقاف إلى الآخرين [1] . ويمكن أن نلحظ الأهمية الحضارية للوقف من عدة جوانب:
أولًا: حكمة تشريعه وموقعه من القيم الإسلامية:
حاول العلماء استجلاء حكمة الوقف من خلال النظر في الغاية منه، والثمرة المترتبة عليه، فأجملها البعض بقوله: (حكمة الوقف أو سببه، في
(1) حسن عبد الغني أبو غدة، أضواء على الوقف عبر العصور، مقال في مجلة الفيصل، العدد 217 رجب 1415 هـ ص 70.