فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 414

, ولم يجب عليه حد الخمر , إذا لم يبق شيء من طعمها , ولونها , وريحها. ولو صب لبن امرأة في ماء , واستحال حتى لم يبق له أثر , وشرب طفل ذلك الماء , لم يصر ابنها من الرضاعة. وأيضا فإن هذا باق على أوصاف خلقته , فيدخل في عموم قوله {فلم تجدوا ماء} فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه , ولا ريحه , ولا لونه. فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن البول في الماء الدائم , وعن الاغتسال منه. قيل: نهيه عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول , إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك , بل قد يكون نهيه ; لأن البول ذريعة إلى تنجيسه , فإنه إذا بال هذا تغير بالبول , فكان نهيا مبتدأ سدا للذريعة. وأيضا فيقال نهيه عن البول ذريعة إلى تنجيسه , فإنه إذا بال هذا تغير بالبول , فكان نهيا مبتدأ سدا للذريعة. أيضا فيقال: نهيه عن البول في الماء الدائم يعم القليل والكثير , فيقال لصاحب القلتين: أتجوز بوله فيما فوق القلتين , إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص , وإن حرمته فقد نقضت دليلك. وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه , وما لا يمكن نزحه: أتسوغ للحاج أن يبولوا في المصانع التي بطريق مكة , إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص , وإلا نقضت قولك. ويقال للمقدر بعشرة أذرع , إذا كان للقرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق: أتسوغ لأهل القرية البول فيه , إن سوغته فقد خالفت ظاهر النص , وإلا نقضت قولك. وأما من فرق بين البول , وبين صب البول , فقوله ظاهر الفساد , فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول , إذ الإنسان قد يحتاج إلى البول في الماء , وأما صب الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. فإن قيل: ففي حديث القلتين: إنه سئل عن الماء يكون بأرض فلاة , وما ينويه من الدواب والسباع , فقال:" {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث} "وفي لفظ:" {لم ينجسه شيء} "وأما مفهومه إذا قلنا بدلالة مفهوم العدد , فإنما يدل على أن الحكم في المسكوت مخالف للحكم في المنطوق بوجه من الوجوه ليظهر فائدة التخصيص بالمقدار , ولا يشترط أن يكون الحكم في كل صورة من صور المسكوت مناقضة للحكم في كل صورة من صور المنطوق. وهذا معنى قولهم: المفهوم لا عموم له , فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. بل إذا قيل بالمخالفة في بعض الصور حصل المقصود. وأيضا: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر هذا التقدير ابتداء , وإنما ذكره في جواب من سأله عن مياه الفلاة التي تردها السباع والدواب , والتخصص إذا كان له سبب غير اختصاص الحكم لم يبق حجة باتفاق , كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} . فإنه خص هذه الصورة بالنهي ; لأنها هي الواقعة لا لأن التحريم يختص بها وكذلك قوله: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} . فذكر الزمن في هذه الصورة للحاجة , مع أنه قد ثبت {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة} , فهذا رهن في الحضر , فكذلك قوله:" {إذا بلغ الماء قلتين} "في جواب سائل معين بيان لما احتاج السائل إلى بيانه , فلما كان حال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت