الحديبية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] ، فكان هذا سببًا في أن يتهيّأ صلى الله عليه وسلم ليُخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أُمر أن يبدأ بهم أولا وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو عليه الصلاة والسلام وهو يدعو إلى الله -كما دعا بالسنان كما مر معنا في غزاته- دعا باللسان واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آن ذاك.
فلما أخبروه -أي الصحابة- أن العرب أو الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا لم يُعاند وإنما اتخذ خاتمًا من فضة عليه الصلاة والسلام، جعل له ثلاثة أسطر"محمد رسول الله"، كما في البخاري وغيره، فجعل كلمة محمد أسفل وكلمة رسول في الوسط وكلمة الله -الذي هو لفظ الجلالة- في الأعلى، فأصبح الخاتم نقشه محمد، أعلى منها رسول، وأعلى منها لفظ الجلالة الله، فأصبح يُقرأ من الأدنى"محمد رسول الله"، فحتى في نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام تأدب مع ربه جلّ وعلا، ولا يوجد أحدٌ تأدب مع ربه تبارك وتعالى كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام مُتأدبًا مع ربه يعرف لله قدره، وهذا واحدٌ من أسبابٍ كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
لما عُرج به إلى سدرة المُنتهى لم يلتفت يمينًا ولا شمالا لم ينظر إلى أي شيءٍ إلا وِفق ما يُريه الله، فما أراه الله رآه، وما لم يريه الله لم يتحرك منه جارحة واحدة تلتفت من غير أن يؤذن له، ولذلك زكى الله بصره في القرآن فقال الله في سورة النجم {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ، أي لم يتجاوز حدوده، وكان عليه الصلاة والسلام في كل حاله وآله مُتأدبًا مع ربه جلّ وعلا، وأنت إذا تُريد الرفعة فالرفعة لها أسبابٌ من أعظمها الأدب مع الله جلّ وعلا، وما أورث أنبياء الله ورسله الناس شيئًا أعظم من أدبهم مع الله.
قال الله عن خليله إبراهيم وهو يُعرف ربّه قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي