ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية، استفردوا به ووثبوا عليه ونتشوا أطواقه وقطعوا ملابسه وعمامته، فتكاثر الناس بسرعة على هذا البكري وجماعته، وكادوا أن يمزقوهم أشلاءا وأوسعوا شيخهم ضربا، فتملص البكري هو وجماعته واختفي هربا، فطلبتهم السلطات وهم السلطان بقتله، وأمر بقطع لسانه، سبحان الله، انظر كيف رد الله كيد البكري في نحره، وقد تشفع فيه بعض أتباعه وقاموا بفك أسره، فنفاه السلطان إلي صعيد مصر.
وكانت قصته كما ذكرها ابن كثير، أن هذا البكري شيخ الصوفية، له رد على شيخ الإسلام ابن تيمية، في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين، أضحك فيها على نفسه العقلاء، وشمت به فيها الأعداء، يقول ابن كثير: فمثله مثل ساقية صغيرة كَدِرَة الماء، لاطمت بحرا عظيما صافي الماء، قد ملئ دررا وجوهرا، وحكمة وعلما، أو كرملة صغيرة أرادت زوال جبل شامخ عن محله، فكان كما قال عنه شيخ الإسلام بن تيمية: إن كلامه لا يتكلم به أحد من أهل العلم والإيمان، وإنما يتكلم به أعور بين عميان، يروج عليهم بسبب ضلالهم وإضلالهم ما يقوله من الهذيان، وكان شيخ البكري شمس الدين الجزري، قد رد عليه فيما دخل فيه في هذا المسألة من التكفير، وأعظم عليه في ذلك النكير، وبين أن هذا الكلام الذي صدر منه لا يقوله أحد ممن يعرف بالعلم والإيمان، و إنما يقوله جاهل في غاية الجهل أو صبي من الصبيان، وأخذ شيخه الجزري يندب على مصر وينوح، إذ كان مثل هذا الكلام الفارغ، يظهر فيها ويبوح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: رأيت أن مثل هذا لا يخاطب خطاب العلماء، وإنما يستحق التأديب البليغ، والنكال الوجيع، الذي يليق بمثله من السفهاء، إذا سلم من التكفير، فإنه لجهله ليس له خبرة بالأدلة الشرعية التي تتلقي منها الأحكام، ولا خبرة بأقوال أهل العلم الذين هم أئمة الإسلام، بل يريد أن يتكلم بنوع من المشاركة، في فقه وأصول وتصوف، ومسائل كبار بلا معرفة ولا تعرف، والله أعلم بسريرته هل هو طالب رياسة بالباطل، أو ضال يشبه الحالي بالعاطل، أو اجتمع فيه الأمران، وما هو من الظالمين ببعيد، ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلامه في الاستغاثة بغير الله، أتي فيه من الجهالات بالعجب العجاب، فمجموع ما قاله ما علمت أنه سبقه إليه أحد من المسلمين، ومع هذا فإنه لم يجترئ على أن يكتب في الاستغاثة شيئا، حتى نظر جوابي في الاستفتاء الذي أرسل به إلي في الاستغاثة، فاستعان به على ما قاله، وأعاره بعض الأمراء كما أخبرني، كتابي الذي كنت صنفته من مدة، وسميته الصارم المسلول على شاتم الرسول، فإني ذكرت فيه ما يجب على من سب الرسول صلي الله عليه وسلم من العقوبات الشرعية، وذكرت فيه من أصول هذه المسألة وفروعها والدلائل الشرعية، وكلام أئمة الإسلام فيه، الذي يعرفه من وقف عليه، فأخذ هذا الكلام مما ذكرته في ذلك، وجعلته صيانة لعرض الرسول صلي الله عليه وسلم من أهل النفاق والاعتداء، ما استعمله هذا الجاهل الظالم في حق أهل العلم والاهتداء.
ثم أشار بعض المقربين من شيخ الإسلام، أن يكتب ردا على شبهات البكري في الاستغاثة وغيرها حتى لا يفتتن بقوله الجهال فالكلام على هذه المسألة من أفضل الكلام، إذ فيها بيان التوحيد و نفي الشرك عن الصمد المجيد، فإن أول ما نشأ الشرك وظهرت عبادة غير الله كان بسبب تعظيم الأولياء، فكتب الشيخ رحمه، ردا مفصلا على هذا البكري الصوفي، ونقض قوله نقضا أجاد فيه وأفاد، وبين ما فيه من حق وباطل في مجلد كبير، أبطل فيه أنواع الشرك الاعتقادي والعملي، وما يتفرع منهما بالأدلة والبراهين القاطعة المقبولة، التي تسر قلوب أهل السنة، وتقر