فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 290

والذي حارَتِ البَرِيَّةُ فيه ... حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِن جَمادِ

واللَّبِيبُ مَن ليس يَغْتَرُّ ... بكَوْنِ مَصِيرُه لِفَسادِ

685 -الحسن بن عبد الله بن المرزبان

أبو سعيد القاضي

السيرافي النحوي

سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن أبي الأزهر البوشنجي، وأبي عبيد بن حربويه الفقيه، وعبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأبي بكر ابن دريد، ونحوهم.

وولي القضاء ببغداد، وكان أبوه مجوسيًا اسمه بهزاد، فسماه أبو سعيد عبد الله.

وعن رئيس الرؤساء شرف الوزراء، جمال الورى، أبي القاسم علي بن الحسن، قال: إن أبا سعيد السيرافي، كان يدرس القرآن، والقراءات، وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض والقواع، والقوافي، والحساب. وذكر علومًا سوى هذه. وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق.

قال رئيس الرؤساء: وقرأ على أبي بكر ابن مجاهد القرآن، وعلى أبي بكر ابن دريد اللغة، ودرسا جميعًا عليه النحو، وقرأ على أبي بكر ابن السراج، وعلى أبي بكر المبرمان النحو، وقرأ عليه أحدهما القرآن، ودرس عليه الآخر الحساب.

قال: وكان زاهدًا، لا يأكل إلا من كسب يده، فذكر جدي أبو الفرج عنه، أنه كان لا يخرج إلى مجلس الحكم، ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم، إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات، يأخذ أجرتها عشرة دراهم، وتكون قدر مؤنته، ثم يخرج إلى مجلسه.

وقال ابن أبي الفوارس: وكان أبو سعيد نزهًا، عفيفًا، جميل الأمر، حسن الأخلاق.

وقال محمد بن العباس بن الفرات: كان أبو سعيد السيرافي، عالمًا فاضلًا، منقطع النظير في علم النحو خاصة، وكانت سنة يوم توفي ثمانين سنة.

وعن هلال بن المحسن، أنه توفي يوم الاثنين، الثاني من رجب، سنة ثمان وستين وثلاثمائة، عن أربع وثمانين سنة.

قال أبو حيان التوحيدي، في"تفريط الجاحظ"له: أبو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة، معرفة بالنحو، والفقه، واللغة، والشعر، والعروض، والقوافي، والقرآن، والفرائض، والحديث، والكلام، والحساب، والهندسة، افتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ، ولا عثر له على زلة، وقضى ببغداد، هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرزانة، صام أربعين سنة أو أكثر، الدهر كله.

وقال في"محاضرات العلماء": شيخ الدهر، وقريع العصر، العديم المثل، المفقود الشكل، ما رأيت أحفظ منه لجوامع الزهد نظمًا ونثرًا، وكان دينًا، ورعًا، تقيًا، نقيًا، زاهدًا، عابدًا، خاشعًا، له داب في القراءة والخشوع، وورد بالليل من القيام والخضوع، ما قرئ عليه شيء قط فيه ذكر الموت والبعث ونحوه، إلا بكى وجزع، ونغص عليه يومه وليلته، وامتنع عن الأكل والشرب، وما رأيت أحدًا من المشايخ كان أذكر لحال الشباب، وأكثر تأسفًا على ذهابه منه، وكان إذا رأى أحدًا من أقرانه عاجله الشيب تسلى به.

وقال في"الإمتناع والمؤانسة": هو أجمع لشمل العلم، وأنظم لمذاهب العرب، وأدخل في كل باب، وأخرج من كل طريق، وألزم للجادة الوسطى في الخلق والدين، وأروى للحديث، وأقضى في الأحكام، وأفقه في الفتوى، كتب إليه ملوك عِدة كتبًا مصدرة بتعظيمه، يسأله فيها عن مسائل في الفقه والعربية واللغة.

وكان حسن الخط، طلب أن يقرر في ديوان الإنشاء فامتنع، وقال: هذا أمر يحتاج إلى دربة، وأنا عارٍ منها، وسياسة وأنا غريب فيها.

وفي"الدر الثمين"أن أبا سعيد لما شهد عند قاضي القضاة ابن معروف، وقبل شهادته، وصار من جملة عدوله، عاتبه على ذلك أحد المختصين به، وقال له: إنك إمام الوقت، وعين الزمان، والمنظور إليه، والمقتبس من علمه، تضرب إليك أكباد الأبل، ويفتقر إليك الخاص والعام، والرعايا والسلطان، فإذا توسطت مجلسًا كنت المنظور في الصدر، وإذا حضرت محفلًا كنت البدر، قد اشتهر ذكرك في الأقطار والبلاد، وانتشر علمك في كل محفل وناد، والألسنة مقرة بفضلك، فما الذي حملك على الانقياد لابن معروف واختلافك إليه؟ فصرت تابعًا بعد أن كنت متبوعًا، ومؤتمرًا بعد أن كنت آمرًا، وضعت من قدرك، وضيعت كثيرًا من حرمتك، وأنزلت نفسك منزلة غيرك، وما فكرت في عاقبة أمرك، ولا شاورت أحدًا من صحبك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت