وقال بعضهم، وهو أحمد بن حنبل:"إن الله تعالى يقيِّض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله الكذب، فنظرنا فإذا على رأس المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المائتين الإمام الشافعي"، كلما أصبح هناك انحرافات، إضافات يقيض الله لهذه الأمة علماء صادقين، يعيدون الدين إلى أصله، إلى نقائه، وأنا أنصح إخوتنا الكرام، والمثل واضح بين أيديكم، نهر بردى، له نبع، وله مصب، انظر إلى منبعه، انظر إلى صفاء الماء ورقته، انظر إلى مصبه، فالماء أسود، فأنت إذا أردت أن تنهل من هذا النبع إلى أين تذهب؟ إلى مصبه أم إلى منبعه؟ إلى منبعه طبعًا، منبع هذا الدين الكتاب و السنة، قيل:"لما قدم الشافعي إلى بغداد كان في المسجد نيف و أربعون حلقة، فلما دخل بغداد مازال يقعد في حلقة و حلقة، و يقول لهم: قال الله و قال رسوله، و هم يقولون: قال أصحابنا و قال فلان و قال فلان، هو أعادهم إلى الأصل، إلى الكتاب و السنة، قال: ثم ما بقي في المسجد إلا حلقة الشافعي"، الأصل أن تعيد الناس إلى كلامه و إلى سنة رسوله.
وهناك دائمًا حسد، فهذه قصة مفيدة جدًا، قال زكريا بن يحيى: حدثني الحسن بن محمد الزعفراني: حج بشر المريسي ذات سنة إلى مكة، ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا و لا مجيبًا، أي الشافعي، وهو رجلٌ له حلقة دينية في بغداد كبيرة جدًا، ذهب إلى الحج فقال: رأيت لإخوانه في الحج عالمًا، ما رأيت مثله سائلًا و لا مجيبًا، أي الشافعي، ثم قدم الشافعي إلى بغداد فقال بعض تلامذته: هذا الذي تزعم أنه ليس مثله عالم قد حضر إلى بغداد، قال: إنه قد تغير على ما كان عليه، أي تراجع، هناك حسد دائمًا.
فلابد للمؤمن من كافر يقاتله، و منافق يبغضه، و مؤمن يحسده، ونفس ترديه، وشيطان يغويه، عندك خمسة أخطار الكافر يقاتلك و المنافق يبغضك، والمؤمن من ضعفه يحسدك، فالمؤمن الضعيف يحسد، والشيطان يغوي، والنفس تردي.
كُتِب على قبر الإمام الشافعي كلام طيب: هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن صلاته، ونسكه ومحياه لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمر وهو من المسلمين عليه حيِىَ، وعليه مات، وعليه يبعث حيًا إن شاء الله تعالى، توفي أبو عبد الله ليوم بقي من رجب سنة أربع ومائتين للهجرة.
عاش حوالي خمسين عامًا، وترك كتاب الأم، وكتاب الرسالة، وترك علمًا غزيرًا لا يعلمه أحد بعده.
مرة ثانية ما أردت من هذا الدرس أن يكون قصةً ولا إعلامًا ولكن أردته أن يكون باعثًا لنا جميعًا على أن نتفوق وأن نتنافس في هذا المضمار.