والقصة معروفة، فالذي أتمنى أنْ تعلموه أن الإمام الشافعي إنسان عظيم، فهل هو من طبيعة أخرى؟ لا والله، من جبلة خاصة؟ لا والله، الخصائص واحدة، والإمكانات واحدة، لكنه طلب من الله طلبًا نحن ما طلبناه، وقد أعطاه الله على قدر طلبه، والله يعطي ويزيد، وهناك أمثلة كثيرة يمكن أن تصل إلى أعلى درجة، لا بقدراتك الذاتية، بل بما يؤهلك الله به من قدرات، وهذا التأهيل متعلق بطلبك الصادق.
وهذه نقطة ليست في عالم الدنيوي، من الممكن في الدنيا أنْ أدلَّ رجلًا على عمل، أو تجارة، يربح منها مائة مليون، لكن أنْ آخذ المائة مليون مشابهة له من كلمة فهذه في الدنيا مستحيلة، أمّا عند الله فهي واقعة، إذا دعا الإنسان إلى هدى:"... عَلَيْهِمْ فَوَ اللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ".
[مسلم ـ أبو داود ـ أحمد]
إذا لم يحدِّث أحدُنا نفسَه بنشر الحق، والدعوة إلى الله، فأين مكانه عند الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذًا؟ إذا لو يحدِّث الإنسان نفسه بنشر الحق، بتقديم خدمة للناس، بترسيخ الحق، بالدعوة إلى هدى، بنشر الفضيلة في المجتمع فلِمَ يعيش؟ أيعيش ليأكل ويشرب؟
ولنَعُدْ إلى الإمام الشافعي، قال الربيع:"كان الشافعي قد جزَّأ الليل؛ فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام"، يكتب ويصلي، في الدين شيئان؛ اتصال، وخدمة، وعمل صالح، من السهل جدًا أن يطغى العمل الصالح على عبادتك، ومن السهل جدًا أن تطغى عبادتك على العمل الصالح، إن طغت العبادة على العمل الصالح اختل التوازن، وإن طغى العمل الصالح على العبادة اختل التوازن أيضًا، والأكمل أن توازن بين العبادة والعمل الصالح، هناك منزلقات، فالإنسان من خدمة إلى خدمة، من مشروع إلى مشروع، إلى تأسيس مسجد، إلى رعاية أيتام، من تأسيس جمعية على حساب اتصاله بالله، عباداته ضعيفة، صلواته غير متقنة، اتصاله بالله غير مكين، يأتي إنسان آخر يعتني بقلبه وبأذكاره، ولكن ليس له عمل صالح، فكذلك إن طغت العبادة على العمل الصالح اختل التوازن، وإن طغى العمل على العبادة اختل التوازن، البطولة أن توازن بين عبادتك وبين عملك الصالح، الصلاة على وقتها، المبالغة في الاستقامة، وأداء العبادات، ثم الانطلاق إلى الأعمال الصالحة، لا تنسوا أن من أدعية النبي دعاءين اثنين؛ وأنت في أحد حالين: إما أنك في المسجد، وإما أنك خارج المسجد وإذا كنت في المسجد فاسمعْ للحديث الشريف، فعن أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ"."