وما أجدر من أمل فضل ربه أن لا يحرمه إياه! فإذا وجد من قلبه هذه الهمة؛ فهي طلائع بشرى التوفيق؛ فعليه أن يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد؛ وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة؛ فيستغفره وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها؛ فإن ظفر بذلك أخبر به وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله؛ فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد ولابد أن تضعفه.
وشهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجوء إليه واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته؛ فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن من وفق هذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطي حظه من التوفيق ومن حرمه فقد منع الطريق [1] .
* وأما من أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق؛ ولهذا لا يمنع العذاب؛ فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى. والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله؛ فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى؛ فالاستغفار منه: طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه؛ فالتوبة: العزم على أن لا يفعله.
(1) إعلام الموقعين: (4/172) .