لجميل صليبا
5 -السعادة بعد الموت
أما في الحياة الثانية فإن النفس قد تدرك السعادة الحقيقية وقد تشقى شقاء مؤقتًًا أو شقيًا أبدًا، فسعادة النفس الحقيقية بعد الموت تنشأ عن تصور الإنسان للمبادئ الروحانية تصورًا حقيقيًا وتصديقه بها تصديقًا يقينًا على الوجه الذي ذكره ابن سينا في مقالة المبدأ والمعاد، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلائق مع ذلك العالم فصار له شوق وعشق إلى ما هنالك يصده عن الالتفات إلى ما خلقه، وهذه السعادة الحقيقية كما قلنا لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس.
وإذا قايسنا بين أحوال الناس في الآخرة وجدناهم على ثلاثة أحوال.
الحال الأول هو حال البالغين في فضيلة العقل والخلق مرتبة عالية فهؤلاء لهم الدرجة القصوى من السعادة.
والحال الثاني هو حال الجهال إلا أن جهلهم ليس مضرًا لهم فهم من أهل السلامة وإن كانوا ليس لهم ذخرًا من العلم.
والحال الثالث هو حال الذين كثر شرهم وعظم أذاهم في الدنيا والآخرة وهؤلاء ليسوا من أهل النجاة.
فالنجاة ليست إذن مصروفة عن أهل الجهل، إن سعادة العلماء أعلى مرتبة من سعادة الجهال كما أن سعادة الجهال أفضل من شقاوة الأشرار، وخير للإنسان أن يكون جاهلًا من أ، يكون عالمًا شريرًا، لأن البلاهة العمياء أحسن من الفظاظة البتراء.
فالذي يحصل العلوم ويعرف الكمال ويشتاق إليه من غير أن يتصف به أو يعمل به للوصول إليه أسوأ من أصحاب النفوس الساذجة لأن الجاهل غير عارف بالكمال غير مشتاق إليه، ولذلك كان العذاب أقرب إلى العالم الشرير منه إلى الساذج الصالح.
فإذا كانت النفس شديدة الشوق إلى ما اعتقدته من أحوال الحياة زكية كريمة قليلة العلائق بالبدن فإنها إذا انفصلت عن الجسد اتصلت بكمالها الذاتي وتمتعت باللذة الحقيقية وتبرأت