الجرائد والمجلات بعجائب خاطراتي. ثم أخذت في تأليف الكتب حتى غدوت في النهاية أديبًا ومفكرًا كبيرًا تستبق الصحف ودور النشر إلى شراء مقالاتي وتآليفي بالأثمان الباهظة التي ما كنت أحلم في ليالي قلقي بعجيبة تشبهها بل أن الفراديس التي كنت أرفع معالمها في طبقات الهواء ماحوت عجيبة أبعد عن التصديق من هذه الحقيقة الجميلة. على أن من يتمعن فلسفة الحياة في ترتيبها الحاضر يجد أن هذا أمر جد طبيعي، إذ ما من تقدم إلا ويخرج عن تأخر، وما من زيادة إلا وتصدر عن نقص، وما من عظمة إلا وتسبقها حطة. ولقد ادعى بعضهم أن النبي قد قال: كل ذي عاهة جبار. حتى الجبروت تنفرج عنه العاهة، فهذا عندك الإلهأو دينأو لم يكن أعور؟ وهذا نبوليون ألم يك قزمًا مجنونًا؟
إما أنا فقد كنت أنطوي على مجموعة من العاهات. فغدا من الطبيعي إذن أن أصبح معادلا لمجموعة من الجبابرة: كل جبار بعاهة! بيد أن الغنى الذي أصابني من مؤلفاتي قد أخذ مني جل عاهاتي، وبالتالي قد كاد يجعلني مسخًا. كنت دميمًا فأصبحت مقبولًا تمدحني الحسان. كنت تاعسًا فغدوت سعيدًا. كنت جائعًا (وأظن سبب دائي القديم كان لتقاعس بطني من قلة المؤونة) والآن أجدبي تخمة دائمة. على إني لا أبالي إن كنت فقدت عاهاتي وتضاءل جبروتي لأني الآن أعيش. ألم أكن وحيدًا عازبًا ليس في العالم قلب يحنو على قلبي؟ ثم لا أجدني اليوم متزوجًا بفتاة حسناء غرها في الأول مالي ومكانتي حتى مرًّ وقت فما لبثت أن فهمتني وأحبتني؟ أليس عندي بيت مريح آري إليه فترن في أذني سأسأة ملاكين صغيرين ينثران في رحاب روحي الفارغة بهجة وحلاوة؟ على إن الإنسان لا يقبض في جهة حتى يدفع في جهة. أجل لقد خلصت من داء الأرق بعد أن امتلأ بطني، لكنني ابتليت بداء آخر هو النوم. النوم والكسل يحرقاننى في هذا الوقت. وكثيرًا ما تعاودني ذكرى سبابي فأتمنى لو ترجع بي السنون القهقرى فأقطع مرحلتي الصغيرة من الوجود في قلق من الحلم والفكر بدل أن أموت ثلثي عمري راقدًا. أتمنى هذا - لكن بشرط. والشرط هو أن لا تعمر وجودي خيالات تلك الشيطانة التي كادت تقتلي إذا أورثتني كآبة الخيبة ويأسها زمنًا طويلًا - إلى أن خلصني الفكر والجوع. هذا وبخصوص اكتشافي الذي تكلمت عنه، فهو أعظم وأجدى منحجر الفلاسفةأوأكسير الحياةولو صحت أوهامها. وما يفيد حجرهم؟ هل ينبع عنه الذهب؟ إن هذا الإله الصفراوي لينحط حتى