وأما الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد كان يقال لأيامه أيام العروس1، وذلك لما امتازت به من العدل والهدوء، ومما يدل على حزمه في إقراره العدل قصة التاجر اليهودي الذي شكى لقاضي مارده سليمان بن أسود2 من أن أحد أعوان الأمير محمد بن عبد الرحمن - حاكم كورة ماردة في ذلك الوقت - قد أخذ جاريته منه ولم يسدد ثمنها، أو يردها عليه، وعندما حاول القاضي إقناع الأمير محمد بضرورة إنصاف اليهودي، عمد الأمير إلى الإنكار، فهدده القاضي بأنه سوف يذهب بنفسه إلى والده بقرطبة ويعرض عليه القضية كاملة، فلم يكن أمام الأمير محمد إلا الرضوخ لحكم القاضي، حيث تم تسليم الجارية لليهودي3.
1-ذكر بلاد الأندلس، 139.
2-أبو أيوب سليمان بن أسود بن يعش ابن جشبيد الغافقي، من سكان مدينة غافق، ولي القضاء في كوره مارده، استدعاه الأمير محمد وولاه قضاة الجماعة بقرطبة، وصف بأنه كان رجلًا صالحًا، متقشفًا، مهيبًا، صليبًا في حكمه، فيه ذكرة وتحامل على كبار رجالات الدولة وقلة مداراة لهم، تولى القضاء بقرطبة مرتين عزل عن الأولى سنة 260هـ، وفي سنة 263هـ أعيد للقضاء وتمادى فيه حتى عزل عنه في عهد الأمير المنذر بن محمد، وقد توفي سليمان بن أسود وهو ابن تسع وتسعين سنة وعشرة أشهر. انظر: قضاة قرطبة، ص 73-82، 83-89. ابن الفرضي، ترجمة رقم 549. النباهي، المرقبة العليا، ص56-59.
3-النباهي، ص56-57، وانظر: قضاة قرطبة، ص73. إلا أن الخشني ذكر أن أحد أعوان الأمير محمد انتزع من رجل ابنته، وهذا في الواقع بعيد الحصول لأنه لايمكن في الوسط الإسلامي انتزاع أي بنت كانت أيًا كان والدها، فالنباهي كان دقيقًا عندما ذكر أنها جارية لأحد اليهود والجارية كما هو معروف تباع وتشترى.