فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 2051

ـــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَى أَنَّهُ رَأَى سَبُعًا، وَمَاءً كَثِيرًا، وَالْحِمَارَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَبَوَيِ الْبَغْلِ، وَلَوْ قَالَ: رَأَيْتُ أَسَدًا بِيَدِهِ سَيْفٌ، أَوْ بَحْرًا عَلَى فَرَسٍ، أَوْ حِمَارًا عَلَى مِنْبَرٍ، عَلِمْنَا بِهَذِهِ الْقَرَائِنِ أَنَّهُ أَرَادَ الشُّجَاعَ وَالْكَرِيمَ وَالْبَلِيدَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ يَصِحُّ فِيهِ الِاشْتِقَاقُ، وَالتَّصْرِيفُ إِلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَاللَّفْظُ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ الْحَقِيقَةَ، وَالثَّانِي مَجَازًا، لِأَنَّ تَصَرُّفَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ وَأَصَالَتِهِ، وَعَدَمَ تَصَرُّفِهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ وَفَرْعِيَّتِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازَ فَرْعٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ التَّصَرُّفُ دَلِيلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ، وَذَلِكَ كَلَفْظِ الْأَمْرِ: يُطْلَقُ عَلَى الصِّيغَةِ الطَّلَبِيَّةِ، نَحْوَ: اضْرِبْ، وَاجْلِسْ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّأْنِ وَالْفِعْلِ، نَحْوَ: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هُودٍ: 97] ، أَيْ: شَأْنُهُ وَفِعْلُهُ، فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ يُصَرِّفُونَ الْأَمْرَ اللَّفْظِيَّ فَيَقُولُونَ: أَمَرَ يَأْمُرُ أَمْرًا، فَهُوَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ، وَلَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ حَقِيقَةٌ، وَالثَّانِيَ مَجَازٌ. وَقَدْ ضَعُفَتْ هَذِهِ الْعَلَامَةُ بِأَنَّهَا دَعْوَى عَامَّةٌ، فَلَا تَثْبُتُ بِمِثَالٍ وَاحِدٍ، وَنُقِضَتْ مِنْ حَيْثُ الطَّرْدُ بِالرَّائِحَةِ، هِيَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَاهَا، وَلَمْ يُشْتَقَّ مِنْهَا اسْمٌ، وَمِنْ حَيْثُ الْعَكْسُ بِأَنَّ الْبَلِيدَ يُقَالُ لَهُ: حِمَارٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى حُمُرٍ، فَقَدِ اشْتُقَّ مِنْهُ اسْمٌ مَعَ أَنَّهُ مَجَازٌ.

قُلْتُ: وَفِي النَّقْضِ بِالرَّائِحَةِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِعْلَهَا مُتَصَرِّفٌ، يُقَالُ: رَاحَ الشَّيْءُ يَرَاحُهُ وَيُرِيحُهُ: إِذَا وَجَدَ رِيحَهُ، وَتَرَوَّحَ الْمَاءُ إِذَا أَخَذَ رِيحَ غَيْرِهِ لِقُرْبِهِ، فَهُوَ مُتَرَوَّحٌ. وَهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّصَرُّفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت