فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 740

مِنْ غَفْلَتِهِ، وَيَسْتَيْقِظُ الْوَسْنَانُ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَيُقْبِلُ عَلَى سَوَامِ رَعِيَّتِهِ، فَيَبْنِي مَا انْهَدَمَ، وَيَسُدُّ مَا انْثَلَمَ، وَيَسْتَدْرِكُ الْفَاسِدَ بِإِصْلاحِهِ، وَيَتَلافَى التَّفْرِيطَ بِاسْتِصْلاحِهِ، وَكَانَتِ الرَّعَايَا تَمْتَعِضُ مِنْ مُنْكَرِ هَذَا النَّوْعِ، وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ فَلا تُقَارُّ عَلَيْهِ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى رَفْضِ الأَرَاذِلِ، وَاجْتِبَاءِ الأَمَاثِلِ، وَتَقْدِيمِ الأَفَاضِلِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُقَلَّدُ شَيْئًا مِنْ شِعَبِ الدِّينِ وَالْمَمْلَكَةِ، إِلا بَعْدَ الابْتِلاءِ وَالْخِبْرَةِ، وَالامْتِحَانِ وَالتَّجْرِبَةِ.

مَا قِيلَ فِي تقلد نوح بْن دارج الْقَضَاء

وَقد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ أَبُو سَعِيد الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عليّ بْن رَاشد، قَالَ: قيل لِشَرِيك بْن عَبْد اللَّه: قَدْ تقلد الْقَضَاء نُوحُ بْن دَرَّاج، فَقَالَ: ذهبت العَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا إِذَا غضبوا كَفَرُوا، وَقَدْ كَانَ لنوح بْن دراج فِي الْعلم والمعرفة والفهم منزلَة مَعْرُوفَة، لَا ينكرها ذُو معرفَة، وَقَدْ كَانَ استدرك بعضَ مَا أغفله رجلٌ من عُلَمَاء الْقُضَاة، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ القَاضِي:

كادتْ تَزِلُّ بِهِ من حالقٍ قدمٌ ... لَوْلَا تدارُكُها نوحُ بْن دَرَّاج

تَصْحِيح رِوَايَة الْبَيْت

قَالَ القَاضِي: رَأَيْت الْمُحدثين يَقُولُونَ فِي رِوَايَة هَذَا الْبَيْت: لَوْلَا تداركها بِفَتْح الرَّاء وَالْكَاف، وَهَذَا خطأ مِنْهُم، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَلَى هَذَا كَانَت لَوْلَا فِيهِ بِمَعْنى التَّحْضِيض، كَقَوْلِك: يَا هَذَا فعلت كَذَا وَلَوْلَا مَا فعلت وَإِلَّا فعلت، وَلا معنى لذَلِك هَاهُنَا، وَإِنَّمَا المُرَاد لَوْلَا الَّتِي تُؤْذِن بامتناع الشَّيْء الْوُجُود غَيره، كَقَوْلِك لَوْلَا أَنْت للقيت زيدا، وَالصَّوَاب إِذا أَن تُروى لَوْلَا تَدَارُكُها بِضَم الرَّاء وَالْكَاف وعَلى إِعْمَال الْمصدر، وَالْمعْنَى لَوْلَا أَن تداركها، كَقَوْل اللَّه تَعَالَى:"لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نعمةٌ مِنْ رَبِّهِ"وَمن قصد هَذَا الْمَعْنى فقد أَخطَأ بحذفه الْمَوْصُول وإبقائه الصِّلَة.

فهم الْقَضِيَّة، فولاه الْقَضَاء

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ مُرِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْهَيْثَمِ بن عدي، عَن مجَالد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: أَتَت امْرَأَة عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين! مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي، إِنَّهُ لَيَقُومُ اللَّيْلَ وَلا يَنَامُ، وَيَصُومَ النَّهَارَ مَا يُفْطُرُ، فَقَالَ عُمَرُ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، مِثْلُكِ أَثْنَى بِالْخَيْرِ، فَاسْتَحْيَتْ ثُمَّ وَلَّتْ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ الأَزْدِيُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي لَقِيطِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَهْمٍ حَاضِرًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلا أَعْدَيْتَ الْمَرْأَة إِذْ جَاءَت تَسْتَعْدِي؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ إِنَّمَا جَاءَتْ تُثْنِي عَلَى زَوْجِهَا وَتَذْكُرُ خِصَالَ الْخَيْرِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي أَعْظَمَ حَقَّكَ لَقَدْ جَاءَتْ تَسْتَعْدِي، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: اصْدُقِينِي فَلا بَأْسَ بِالْحَقِّ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لامْرَأَةٌ، وَإِنِّي لأَشْتَهِي كَمَا يَشْتَهِي النِّسَاءُ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ! فَقَالَ: يَا كَعْبُ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّكَ قَدْ فَهِمْتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت