الصفحة 291 من 511

وَلَكِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، مَا أَجَّلَهُ لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَقَالَ لَهُ: {لَنْ تَرَانِي} يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} .

أَعْلَمَهُ أَنَّ الْجَبَلَ لَا يَقُومُ لِتَجَلِّيهِ حَتَّى يَصِيرَ دَكًّا، وَإِنَّ الْجِبَالَ إِذَا ضَعُفَتْ عَنِ احْتِمَالٍ ذَلِكَ، فَابْنُ آدَمَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ؛ إِلَى أَنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا يَقْوَى بِهِ عَلَى النَّظَرِ، وَيَكْشِفَ عَنْ بَصَرِهِ الْغِطَاءَ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا.

وَالتَّجَلِّي: هُوَ الظُّهُورُ، وَمِنْهُ يُقَالُ:"جَلَوْتُ الْعَرُوس"إِذا أبرزتها و"جلوت الْمِرْآةَ وَالسَّيْفَ"إِذَا أَظْهَرْتُهُمَا مِنَ الصَّدَأِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ الرُّؤْيَةَ فِي قَوْلِهِ:"تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:"ألم تَرَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"يُرِيدُ:"أَلَمْ تَعْلَمْ"فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ، لِأَنَّا نَعْلَمُهُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا؛ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِي الدُّنْيَا وَاحِدًا.

وَقَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ فَتَحَ فَاهُ بِالْوَحْيِ قَالَ:"طُوبَى لِلَّذِينِ يَرْحَمُونَ، فَعَلَيْهِمْ تَكُونُ الرَّحْمَةُ، طُوبَى لِلْمُخْلِصَةِ قُلُوبُهُمْ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 1.

وَيَقُولُ فِي قَوْمٍ سَخِطَ عَلَيْهِمْ: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} 2.

1 الْآيَة 22 من سُورَة الْقِيَامَة.

2 الْآيَة 15 من سُورَة المطففين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت