وكان مولانا بلغه الله تعالى غاية الآمال، يجل حضرة المفتي المشار إليه غاية الإجلال، وفي غالب الطريق يجلسه في المحفة مكانه، وكان له عنده من زيادة التعظيم مكانة، على مقتضى ما جبله الله تعالى من لطف الأخلاق، وسلامة الطبع التي والله ما أتصف بها أحدٌ سواه على الإطلاق، وتهذيب نفس شريفة ولكن أي تهذيب، وإفراط تواضع وخلق عجيب:
زادوه تعظيمًا فزاد تواضعًا ... الله أكبر هكذا البشر السوي
ولعمري هو المعني بقول الشاعر:
إمام رست للعلم في أرض صدره ... جبال جبال الأرض في جنبها قف
تفكره علم ومنطقه حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف
وكان قائمًا بلوازم المشار إليه ومحمله وكلفه، وخرجه في الذهاب والإياب وسائر مصرفه، حتى أرسل إليه عند إيابه إلى دمشق من العين قدرًا جزيلًا، وكان له في هذه السفرة نعم الخليل وأكرم به خليلًا.
ثم لما كان خامس عشري الشهر المذكور وصلنا إلى المنزل المعروف بلوبية فصادفنا فخر الموالي معلول زاده أفندي دامت معاليه، وصل إلى المكان المذكور ونزل فيه، فاستقبل مولانا قاضي القضاة المشار إليه، ولما تلاقيا حيا كل صاحبه بالسلام عرض قصة الشوق عليه. وكانت سوابق الركب تقدمت إلى المنزل المعروف بعيون التجار مع الأحمال والخيام المتعلقة بمولانا ذي القدر الأجل، واقتضى الحال النزول في هذا المكان وقلنا لأمر ما قال الشاعر: