وكان في ذلك الأثناء قد اتصل بالمسامع الشريفة، وأنهي إلى المواقف العالية المنيفة، أن طائفة النصارى قد جددوا شيئًا في الكنيسة الكائنة بالقدس الشريف، ووردت الأوامر الكريمة لمولانا يتوجها للنظر في ذلك بنفسهما الكريمة، ويفتشا على الكنيسة المذكورة وما زاده الكفار على أبنيتها القديمة. فاقتضى الحال أيضًا توجه مولانا المفتي المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، للتفتيش على الكنيسة المذكورة والكشف عليها، امتثالًا للأوامر الشريفة إليها.
وكان ابتداء سفرنا المبارك من دمشق الشام، يوم الأثنين ثامن عشر شهر شعبان سنة ثمان وسبعين وتسعمائة أحسن الله تعالى لها الختام. وفارقنا تلك الأوطان، ولكن بالأبدان، وخلفنا القلب مرتهنًا عند من فارقناه فيها من أفاضل الأخوان، ولله در القائل:
لي في الشام بقية خلفتها ... أودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقينا أنها ... قلبي فأني لا أرى قلبي معي
ثم سرنا في ظل هذا المولى المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، منشرحي الصدور مصادفين من بره ولطفه ما يوجب غاية السرور، مع أصحاب كالنجوم الزواهر، بل أحباب كالبدور الأزاهر، منتظمين كنجوم الجوزاء، والجملة المتناسبة الأجزاء:
ما في الصحاب وقد بانت حمولهم ... إلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل مرحلة ... والحي في كل بيت فيهيعقوب
وما كنا نقطع واديًا، ولا نشهد ناديًا، إلا ونتجاذب طرف الأناشيد، ونتوارد أطراف الأناشيد:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالتبأعناق المطي الأباطح