عنها لخرجت عن طريق الآداب. لكن من طرق البلاغة استعمال الاضمار في موضع الإظهار، كما نستفيده، وصيغة المضارع لاستمرار، من بحر فيضكم المدرار. ولو فصلت لحضرتكم الشريفة أمور لأوجبت له أن يطرد ويبعد، ويتمثل له بقول القائل وينشد:
أيها المدعي سليمى سفاهًا ... لست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليمى كواوٍ ... الحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو
والحاصل أن المملوك ما يحيل التفرس في عدم استقامة المذكور إلا على سلامة مزاح وسرعة حدسه، وحاشا لمقامه الشريف أن يرضى لعبده الحشر مع غير أبناء جنسه. وعلى كل حال فمن حمل أعباء القضاء شاهد أحوالًا تشيب النواصي، وعاين اهوالًا تذيب الرواسي، ولكن:
إلهي ظلمت النفس مذ صرت قاضيًا ... وعوضتها بالضيق عن ذلك الفضا
وحملتها ما لا تكاد تطيقه ... فأسالك التوفيق واللطف في القضا ووالله أن العبد ما سطر هذا الجواب، إلا وهو من الخجالة قد توارى بالحجاب، لاشتماله على هذه الالفاظ السقيمة، وقبائح المذكور وأفعاله الذميمة. ولكن صح كما صح في علمكم الكريم العبد يناجي ربه، وشاع ان الكلفة ترتفع إذا صحت المحبة. على أنه لا يغرب عن شريف علمكم أن بسط الكلام يحسن إذا كان الاصغاء مطلوبًا، والخطاب محبوبًا ومرغوبًا، وما تلك قضية منكورة، بل قصة معروفة مشهورة، بعد تكرير الأدعية على الدوام، والسلام إلى قيام الساعة وساعة القيام.