ثم اجتمعت بعد ذلك بجنابه الشريف، فكان من خطابه المنيف، أنه قال: ما يقول اللسان في هدية كلها قلب، وانشدني بديها في معنى ذلك بيتًا جمع فيه المحاسن وهو مفرد، واشتمل من اللطف على مزيد وهو مجرد، وهو:
بحاميم اقسم أني فتى ... صديق حميم بقلبي محب
ثم صار مجلسه الشريف إذ ذاك غاصًا بأفاضل الأنام، واعترض في أثناء الخطاب مع حضرته جمل من الكلام، فقال معتذرا: إن هذا من نظم الوقت، وأن لم يكن هذا وقت النظم.
هذا وقد شرف العبد من جنابه الشريف ببعض المكاتبات، قصد الفقير أن يكون لها في هذه الرحلة اثبات، فمن ذلك ما كتب لي حفظ الله تعالى جنابه، وكنت قاضيا بتزمنت، مكتوبًا يتضمن الشفاعة لشخص في النيابة، صورته: ان أنضر زهر فتحت يد النسيم كمائمه، وازهر ناضرًا حب باعطر من لطائف المسك نسائمه، وأورق عود أصدح الشوق على أفنانه حمائمه، وأرقى منبر سجع عليه خطيب بلاغة فاستنزل من الأفق نعائمه، وأفصح منطق ترك سحبان في أرض البلاغة باقلا أو ذاهلًا يتطلب تمائمه، حمدًا لله تعالى الذي جعل محبه مترقيًا مصاعد المجد، وأيد به الدين فأصبح له كالأب رافلا في حلل الجد. هذا وانبسطة القول في بث الشوق، يضيق عنها الطوق، ولو استعان ذو البث بذوات الطوق، وبعد بُعْدِ المدى وأن كان لابعد، فالجنان بكم في أنضر من جنان الخلد، ثم إن ممن له إلى هذا الجناب انتساب، وعراقة في الاتصال بهذا الداعي لذلك الجناب، الماثل لديكم بهذه الصبابة، والناقل لخبر هاتيك الصبابة، الولد الاعز عبد الفتاح، فالمسئول ان لا يزال مريش الجناح، محفوفًا بيمن نظركم السعيد، محفوظًا بعنايتكم في الطريف والتليد، متشرفًا بخدمة عتبتكم في تنفيذ الأحكام، مامورا من جنابكم العالي برعاية أمر الله تعالى في النقض والإبرام، بعد الدعاء ثانيًا والسلام على الدوام.
وكان اهالي ذلك الإقليم شكوا من ذلك النائب شكاية كلية، وتحقق العبد أن مولانا الشيخ حفظ الله تعالى حضرته العلية، لم يبلغه ما حدث من المذكور من التعدي على أهل