فدونك كتابا تشدّ الرّحال فيما دونه، وتقف عنده فحول الرجال ولا يعدونه، إذ كان الوضع في هذا الغرض لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله.
(وأغلاطا وقعت لجماعة من المعربين وغيرهم فنبهت عليها وأصلحتها) والأغلاط: جمع غلط وهو ما يقع على سبيل الذهول.
والتنبيه على الشيء هو التوقيف عليه، والإصلاح إخراج الشيء من حيز الفساد إلى حيز الصلاح وفي هذه السجعة مع السابقتين عليها لزوم ما لا يلزم، وهو الإتيان بالحاء قبل التاء.
(فدونك كتابا تشد الرحال فيما دونه، وتقف عنده فحول الرجال، ولا يعدونه) الفاء فصيحة، وثم شرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كذلك، ودونك اسم فعل بمعنى خذ، ومفعوله محذوف، أي: فدونكه، أي: هذا التصنيف، وكتابا حال موطئة، ويحتمل أن يكون كتابا هو المفعول فلا حذف، وفيه حينئذ إقامة الظاهر مقام المضمر لقصد التعظيم وتقوية داعي الأمور، وكان القياس على هذا أن يحليه باللام العهدية، لكن نكره تفخيما لشأنه.
والرحال: جمع رحل يطلق على ما يستصحبه الإنسان من الأثاث في سفره، وعلى رحل البعير وهو أصغر من القتب، وكلا المعنيين متأت هنا، وهو كناية عن التعظيم، وفي من قوله فيما دونه سببية مثل: «دخلت النار امرأة في هرة» (1) أي تشد الرحال بسبب ما دونه، «وما» إما موصولة أو موصوفة، ودونه متعلق بمحذوف صلة، أو صفة، وفحول الرجال أعلاهم همة، وأعظمهم شأنا جمع فحل، وكأنه استعاره من فحل الإبل وهو ذكرها إذا كان كريما ومنجبا في ضرابه ويعنونه بفتح حرف المضارعة، أي يجاوزونه من قولك عداه يعدوه إذا جاوزه، وتقدم عنه.
(إذ كان الوضع في هذا الغرض) لم تسمح قريحة بمثاله.