إلينا رجل بغدادىّ، فجعل يسأل عن أشياء من الغريب، فجاء الرّياشىّ، فقال:
نحن إلى حذفة [1] الأرانب وحرشة [2] الضّباب، لسنا إلى أكلة الشّواريز [3]
والكواميخ [4] .
قال:
وقعد إلينا رجل بغدادىّ من أصحاب الكسائىّ فقال: صحّف صاحبكم، يعنى الأصمعىّ، فقلنا: في أىّ شىء؟ قال: في بيت عنترة:
وآخر منهم أجررت رمحى ... وفى البجلىّ معبلة وقيع [5]
فقال البجلىّ، وإنما هو البجلىّ، من بنى بجلة، من سليم، ينسبون إلى أمّهم، وبجيلة من اليمن. قال: فجاء الرّياشىّ فأخبرناه، قال: ألا قلتم له إنما حرّك صاحبنا حرفا ساكنا، وتصحيف صاحبكم أشدّ، فانه أزال المعنى، فكان أشدّ من تحريك الساكن. ثم قال: أنشدنا الكسائىّ:
كأنّ تحت ريطها القشيب ... أعيس منها لا من الكثيب [6]
[19ا] وإنما هو «أعيس منهالا من الكثيب» من انهال فهو منهال.
(1) الحذفة جمع حاذف: وهو الذى يرمى الأرنب بعصاه فتصيب قوائمها فيصيدها.
(2) الحرشة جمع حارش: وهو الذى يصيد الضباب.
(3) الشواريز: جمع شيراز: وهو اللبن الرائب المستخرج ماؤه. وقال بعضهم: لبن يغلى حتى يثخن ثم ينشف ويميل طعمه إلى الحموضة.
(4) الكواميخ: جمع كامخ بفتح الميم: إدام يؤتدم به، قيل هو خبز بخل، وخصه بعضهم بالمخللات، وقد نقل هذا الخبر عن الرياشى في الفهرست: إنما أخذنا اللغة من حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة من أهل السواد، أكلة الكواميخ والشواريز، وكذلك ذكر في النزهة مع بعض اختلاف في السياق.
(5) أجررت رمحى: طعنته به فكان يجره. المعبلة: النصل العريض الطويل.
(6) الريط: الملاءة، أو الثوب الرقيق. والقشيب: الجديد (وقد يطلق على القديم أيضا فهو من الأضداد) .