فقال [أبو عمرو] [1] : لم يرد الشاعر هذا النّمل، ولا هو في هذه الطريقة، إنما يريد أنّ آباءنا ليسوا بمجوس، لأنه يقال: إن المجوسىّ إذا كان من أخته، وخطّ على القرحة المعروفة [75ب] بالنملة، [2] برأت [3] . قال: فسكت، فلم يردّ جوابا.
وأخبرنا محمد، حدثنى أبو عبيد الله الحسين بن عمر، قال: سمعت علىّ بن الحسين الإسكافىّ يقول: أنشدنا ابن الأعرابىّ للشّمّاخ:
وقد عرقت مغابنها وجادت ... بدرّتها قرى حجن قتين [4]
فأنشدت البيت أبا محلّم، فقال: سله عن تفسيره، فسألته، فقال: جادت النّاقة بعرقها ظهر هذا القراد. والحجن: الحاء قبل الجيم، قلت: فما الحجن؟
قال: صعر، فعرّفت أبا محلّم، فقال: صحّف والله، إنما هو: قرى، أى عرق الناقة قرى لهذا القراد، وليس هو بحجن، إنما هو «جحن» ، الجيم قبل الحاء، وهو السّيّئ الغذاء. وقتين: قليل الطّعم.
وأخبرنا محمد، حدثنى يعقوب ابن بيان، أخبرنى علىّ بن الحسين الإسكافىّ قال: أنشدنى ابن الأعرابىّ:
يشتدّ حين يريد فارسه ... شدّ الجداية عمّها الكرب
فأنشدت البيت أبا محلّم، فقال: أخطأ والله، إنما هو «غمّه الكرب» : غرّته الهاء، فظنّ الجداية من ولد الظّبية، أو ما سمع قول عنترة:
(1) زيادة اقتضاها السياق، وضعناها بين هاتين الحاصرتين. والبيت لعمرو بن حممة الدوسى. وانظر شرح أبى عمرو بن العلاء له في كتاب «المعانى الكبير لابن قتيبة، طبع حيدر أباد ص 563، 637).
(2) النمل والنملة: قروح في الجنب وغيره. وقيل: بثور صغار مع ورم يسير، ثم يتقرح، فيسعى ويتسع، ويسميها الأطباء: الذباب.
(3) برأ: لغة أهل الحجاز، وأما الفعل فهو برئ يبرأ.
(4) ورد البيت في اللسان في مادتى: حجن، وجحن. وقد ذهب ابن برى بمفرده إلى أن الكلمة (حجن بالحاء فالجيم) وأما الأزهرى وابن سيده فقد روياه في مادة: جحن: الجيم قبل الحاء، وعلق على هذا بأنه إما أن يكون ابن برى صحفه، أو وجد له وجها فيما ذكره وأورد بيت الشماخ كما هو هاهنا. وقال:
الجوهرى: يسمى القراد قتينا لقلة دمه. قال ابن برى: شاهد القتين: المرأة القليلة الطعم. والقتين مثل الحجن أيضا، أراد بالحجن قرادا، وجعل عرق الناقة قوتا له، وأورده في مادة: جحن. وقال: قال ابن سيد: أراد قرادا، جعله جحنا لسوء غذائه، يعنى أنها عرقت، فصار عرقها قرى للقراد.