قال الزمخشري رحمه الله: «فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب {لََا يَعْلَمُونَ} والتي قبلها ب {لََا يَشْعُرُونَ؟} قلت لأنّ أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق، وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى
يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاير والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسّ المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له، مساق هذه الآية نجد ما سيقت له أوّل قصة المنافقين، فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه من المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم» [1] .
(5) كما نبهوا إلى هذه الآيات في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهََا فِي ظُلُمََاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجْنََا بِهِ نَبََاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنََا مِنْهُ خَضِرًا،} وختمت الآية بقوله:
{إِنَّ فِي ذََلِكُمْ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (99) ، فلما كانت قضية النجوم مما يعلمه العرب ويمكن أن تعرفه الأمم الساذجة كذلك ختمت بقوله: {يَعْلَمُونَ،}
ولما كانت قضية النفوس دقيقة لا يطلع عليها إلا الخاصة ختمت بقوله تعالى: {يَفْقَهُونَ،} لأن الفقه أخص من العلم، فهو العلم بدقائق الأمور. ولما كانت الآية الثالثة تظهر فيها دلائل القدرة الإلهية ختمت بقوله سبحانه: {يُؤْمِنُونَ.}
(6) وهذه آية النور: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللََّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافََّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلََاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللََّهُ عَلِيمٌ بِمََا يَفْعَلُونَ} (41) [آية: 41] والفعل يختلف عن العمل فالعمل يكون مقصودا لصاحبه، ولكن الفعل قد يكون كذلك وقد
(1) «الكشّاف» (1: 65) .