أما المستحيل، أو شبيه المستحيل، فهو تزوير أدب كامل ينسب إلى الجاهلية ويصطبغ في جملته بالصبغة التي تشتمل على تباين القائلين والشعراء، فإذا جمعنا الشعر المنسوب إلى الجاهلية كله في ديوان واحد فمن المستحيل أو شبيه المستحيل أن نجمع ديوانا يماثله ولا يخالفه من كلام العباسيين أو كلام الأمويين المتأخرين، وإذا قل الفارق بين الشعر المخضرم والشعر الأموي الأول والشعر الجاهلي، وعلى صحة القرابة بينه وبين الشعر الذي لم يفترق عنه افتراقا بعيدا بزمانه وثقافة قائليه وبيئاتهم في المعيشة ومناسبات التعبير: فلا يتشابه
الشعر الجاهلي بالمخضرم إن لم يكن بينهما ميزان مشترك، مع انتمائه إلى عشرات الشعراء الجاهليين والمخضرمين.
إن الملامح الشخصية التي تميز الفرزدق والأخطل وجرير لم يكن لها ثبوت الفوارق التي تميز بين امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير، فمن يرى أن خلق دواوين الفرزدق والأخطل وجرير في وسع راوية واحد فقد سهل عليه أن ينسب شعر الجاهليين جميعا إلى راوية أو رواة، ولكنه يذهب في الحالين مذهبا لا سند له ولا سابقة من مثله في آداب الأمم، ولا نصيب له من الذوق الأدبي غير النبو والاستغراب.
وربما كان سنكلر تسديل الذي مثلنا به لجهل المستشرقين باللغة والذوق الأدبي وشواهد التضمين والاقتباس مثلا صارخا كما يقال في التعبير الحديث، ولكن المثل الصارخ هو الذي يبرز الحقيقة مستعصية على اللبس والمكابرة ويحيط بما دونه من الأمثلة التي تتردد بين الشك واليقين، وقد أتينا على طائفة منها لا تتخلف عن المثل الصارخ بشوط بعيدة.
على أن موازين النقد الذي اشتغل به هذا النفر من المستشرقين لا تسلم على هينة من جراء أخطائهم، لأنهم ضللوا أناسا من تلاميذهم فاتبعوهم في أكثر الأخطاء التي كانوا يقعون فيها من جراء عجزهم عن النفاذ إلى حقائق التاريخ وأسرار البلاغة العربية، ولا بد من مراجعة طويلة يستعان فيها بموازين البحث العلمي على تصحيح تلك الأخطاء» [1] .
ولقد آثرت أن أنقل هذا الكلام على طوله لما له من فائدة من جهة، ولتعلقه بموضوعنا تعلقا مباشرا من جهة ثانية، ولأنه كلام بحّاثة لا يجهل أحد سعة اطلاعه ونزاهته في بحثه من جهة ثالثة.
(1) «اللغة الشاعرة» ص 132127.