فإنّ الغالب أن توافق قراءة كل إمام مصحف أهل بلده، وقد قال ابن الجزري: إذا اختلفت المصاحف في رسم حرف فينبغي أن تتبع في تلك المصاحف مذاهب أئمة أمصار تلك المصاحف، فينبغي إذا كان مكتوبا مثلا في مصاحف المدينة أن يجري ذلك في قراءة نافع وأبي جعفر، وإذا كان في المصحف المكي فقراءة ابن كثير، والمصحف الشامي فقراءة ابن عامر، والبصري فقراءة أبي عمرو ويعقوب، والكوفي فقراءة الكوفيين هذا هو الأليق بمذاهبهم والأصوب بأصولهم [1] . ولكن ربما قرأ بعض القراء بعض هذه الحروف على خلاف مصحفه، على نحو ما يرويه عمّن أخذ قراءته عنه [2] .
ولذلك قال الإمام أبو عمرو الداني: والقطع عندنا على كيفية ذلك في مصاحف أهل الأمصار على قراءة أئمتهم غير جائز إلّا برواية صحيحة عن مصاحفهم بذلك إذ قراءتهم في كثير من ذلك قد تكون على غير مرسوم مصحفهم، ثم يضرب الداني مثلا لذلك بقراءة أبي عمرو بن العلاء قوله تعالى (الزخرف 43/ 68) : يا عبادي لا خوف عليكم بالياء وهو في مصاحف أهل البصرة بغير ياء، وقراءته (وأكون من الصالحين) (المنافقون 63/ 10) بالواو والنصب. وهو في كل المصاحف بغير واو مع الجزم.
وقراءته في والمرسلات (77/ 11) (وإذا الرّسل وقّتت) بالواو من الوقت وهو في كل المصاحف بالألف ثم يذكر أمثلة أخرى من هذا الباب ويقول: وإنما بينت هذا الفصل ونبّهت عليه لأني رأيت بعض من أشار إلى جمع شيء من هجاء المصاحف من منتحلي القراءة من أهل عصرنا قد قصد هذا المعنى وجعله أصلا فأضاف بذلك ما قرأ به كل واحد من الأئمة من الزيادة والنقصان في الحروف المتقدمة وغيرها إلى مصاحف أهل بلده، وذلك من الخطأ الذي يقود إليه إهمال الرواية وإفراط الغباوة وقلة التحصيل إذ من غير الجائز القطع على كيفية ذلك إلا بخبر منقول عن الأئمة السالفين ورواية صحيحة عن العلماء المختصين بعلم ذلك، المؤتمنين على نقله وإيراده لما بيّناه من الدلالة [3] .
وما ذكره الداني هاهنا إنما يؤكد أن كلا من هجاء الكلمات في المصاحف
(1) النشر، ج 2، ص 158.
(2) انظر: المهدوي، ص 121.
(3) المقنع، ص (114113) .