(أبو جهل) وحين قاتل المهاجرون أهلهم وأقرباءهم وقتلوهم يوم بدر.. حينئذ اتصلت وشيجة العقيدة بين المهاجرين والأنصار، فإذا هم أهل وإخوة، واتصلت الوشيجة بين المسلمين العرب وإخوانهم: صهيب الرومي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي. وتوارت عصبية القبيلة، وعصبية الجنس، وعصبية الأرض. وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها منتنة".. وقال لهم:"ليس منَّا من دعا إلى عصبية، وليس منَّا من قاتل على عصبية، وليس منَّا من مات على عصبية".. فانتهى أمر هذا النتن.. نتن عصبية النسب. وماتت هذه النعرة.. نعرة الجنس، واختفت تلك اللوثة.. لوثة القوم، واستروح البشر أرج الآفاق العليا، بعيدًا عن نتن اللحم والدم، ولوثة الطين والأرض.. منذ ذلك اليوم لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما عاد وطنه هو"دار الإسلام"الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار التي يأوي إليها ويدافع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها.. وهي"دار الإسلام"لكل من يدين بالإسلام عقيدة ويرتضي شريعته شريعة، وكذلك لكل من يرتضي شريعة الإسلام نظامًا - ولو لم يكن مسلمًا - كأصحاب الديانات الكتابية الذين يعيشون في"دار الإسلام".. والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي"دار الحرب"بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمي المعاهد كذلك.. يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه.
وكذلك حارب محمد - صلى الله عليه وسلم - مكة وهي مسقط رأسه، وفيها عشيرته وأهله، وفيها داره ودور صحابته وأموالهم التي تركوها. فلم تصبح دار إسلام