من العبودية لغيره، وأن يحقق منهج الله وحده ويرفض الاعتراف بشرعية منهج غيره، وأن يُحَكِّم شريعة الله وحدها في حياته كلها وينكر تحكيم شريعة سواها، وأن يعيش بالقيم والأخلاق التي قررها الله له ويسقط القيم والأخلاق المدعاة. ثم بأن يتعرف بعد ذلك كله إلى النواميس الكونية التي أودعها الله في هذا الكون المادي، ويستخدمها في ترقية الحياة، وفي استنباط خامات الأرض وأرزاقها وأقواتها التي أودعها الله إياها، وجعل تلك النواميس الكونية أختامها، ومنح الإنسان القدرة على فض هذه الأختام بالقدر الذي يلزم له في الخلافة.. أي حين ينهض بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق، ويصنع المادة الخامة، ويقيم الصناعات المتنوعة، ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله.. حين يصبح وهو يصنع هذا كله"ربانيًا"يقوم بالخلافة عن الله على هذا النحو - عبادة الله. يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة، ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة.. فأما الإبداع المادي - وحده - فلا يسمى في الإسلام حضارة.. فقد يكون وتكون معه الجاهلية.. وقد ذكر الله من هذا الإبداع المادي في معرض وصف الجاهلية نماذج:
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . [الشعراء: 127 - 135] .
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا